صادق الازرقي
برغم زيادة تدفقات المياه بسبب الامطار التي حصلت في الموسم الشتوي الأخيرفي العراق، وبرغم زيادة كميات المياه المطلقة في نهري دجلة والفرات وغمرها أراض واسعة، برغم ذلك لم تغادر شحة مياه الشرب سكان العراق، فظلت تجمعات سكانية كبيرة تعاني من شحة المياه حتى قبل حلول الصيف، ومن ذلك مناطق في العاصمة بغداد.
يكمن التناقض بين وفرة الأمطار وندرة مياه الشرب في عوامل مركبة أبرزها،الافتقار إلى البنى التحتية الاستراتيجية لتخزين وحصاد مياه الأمطار، والاستهلاك المفرط لقطاع الزراعة، والتجاوزات والتقادم في شبكات التوزيع، فضلا عن التلوث البيئي للأنهار الذي يضطر السلطات للإيقاف الاحترازي لمحطات التصفية.
تتفرع أسباب هذه الأزمة إلى النقاط الرئيسة المتمثلة بغياب السدود والخزانات الكبرى، فبرغم هطول الأمطار الموسمية بغزارة، لا يمتلك العراق بنية تحتية وسدودا كافية لاستيعاب هذه التدفقات، مما يؤدي إلى هدر كميات هائلة منها نحو البحر من دون الاستفادة منها في مراحل الجفاف الصيفي، كما تتلوث مصادر المياه الخام، اذ تعاني الأنهار الرئيسة من مستويات تلوث عالية بسبب تصريف مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية، مما يدفع مديرية ماء بغداد لإيقاف عمل محطات التصفية احترازيا لتأثير ذلك على صحة المواطنين.
وكذلك هناك أزمة في الإدارة وشبكات التوزيع، اذ تتسبب حالات الهدر، والتجاوزات غير القانونية على شبكات إسالة المياه، والقدم في البنية التحتية للنقل بضعف وصول الحصص المائية، وهو ما تؤكده تقارير مرصد العراق الأخضر المستمرة. لقد كان التغير المناخي والاحتباس الحراري عاملا مؤثرا في شحة المياه اذ اسهمت درجات الحرارة المرتفعة في البلاد بنسب تبخر عالية جداللمياه السطحية، إلى جانب تذبذب الإيرادات المائية التي كانت تأتي من دول المنبع (تركيا وإيران) نتيجة السدود المقامة.
ولكن مع التحسن في توفر المياه في الشتاء والخريف الماضيين، كان يفترض ان تسعى الحكومة والسلطات المعنية الى الاستفادة من الوضع المستجد في كميات المياه، ولكن يظهر انها لم تفعل، وبقيت معاناة السكان من شحة مياه الشرب على حالها اذا لم تكن أسوأ من السابق. كانت الحكومات العراقية المتعاقبة قد تعهدتبجعل أولوية توفير مياه الشرب وتأمينها للسكان في صدارة خططها الاستراتيجية، معتمدة مسارات أساسية تشمل تنفيذ مشاريع تحلية المياه، وإنشاء محطات معالجة الصرف الصحي، وإطلاق مشاريع وطنية لتقليل الهدر، وتحديد حصة عادلة لاستهلاك الفرد وسط تحديات الإجهاد المائي.
ولطالما تحدثت رئاسة الوزراء عن إنجاز عشرات المشاريع وتخصيص أخرى للمحافظات التي تعاني من انخفاض مناسيب المياه وارتفاع اللسان الملحي مثل البصرة، وواسط، والأنبار، والديوانية، وذي قار، لتوفير مصادر مياه بديلة.
وفي الصيف السابق الذي شهد جفافا وشحة كبيرة للمياه أطلقت الحكومة مشاريع لتحديد حصة الفرد من المياه للقضاء على الهدر المائي وإرساء سياسات توزيع عادلة، وحددت حصة الفرد اليومية في العاصمة بغداد إلى نحو 300 لتر، واضعة تأمين مياه الشرب والاستعمالات المنزلية والصحية في المرتبة الأولى ضمن أولوياتها الأربع للإدارة المائية، تليها الخطط الزراعية والبيئية؛ واوضحت وزارة البيئة انها تعمل على إجراء مسوحات دورية لرصد نوعية المياه المجهزة للمواطنين في عموم البلاد، وتأكيد مطابقتها لمعايير الصلاحية.