الحسان عشاق
في مدينة شاطئية يلفها صخب الأيام، الحركة سريعة ولا احد يلتفت لاحد، تقف أمام مرآتها، في الثلاثين من عمرها، تتأمل وجها لم يذبل، وملامح لا تزال تحتفظ ببريق الحياء. فتاة من اللواتي ربين أرواحهن على العفة، وعشن ضمن حدود رسمها احترام الذات، في أعماقها تشعر بغربة موحشة، كأنها مسافرة في قطار لا يتوقف في محطتها أبدا. تسأل نفسها كل ليلة.
– لماذا …؟. لماذا يغلق باب النصيب في وجه من صانت نفسها، بينما تفتح أبواب السعادة لمن تخلين عن حواجزهن
ترى حولها فتيات يسلكن طرق ملتوية، يحصدن علاقات تتوج بزيجات تبدو سهلة وميسرة، بينما ظلت قلعة صامتة، لا يطرق بابها أحد. تتسرب إليها أحيانا سموم اليأس، وتلقي باللوم على سوء الحظ وعيون الحساد، لكنها في الحقيقة تشعر بمرارة المفارقة. ترى كرامتها أشبه بسجن من زجاج، يراها الناس بوضوح، يمدحون جمالها وأخلاقها، لا أحد يجرؤ على كسر الزجاج الشفاف للوصول إليها. الغربة الداخلية تأكل من الروح، تشعر أنها غريبة في مجتمع أصبحت فيه السهولة والعلاقات العابرة عملة رائجة، الانتظار عقوبة قاسية. تمشي في شوارع المدينة مرفوعة الراس، تراقب وجوه العابرين، باحثة عن نصف يشبهها، نصف يقدر الهدوء والرقي وعزة النفس، لا نصفا يبحث عن مغامرة عابرة.
تستقر ليلى الشادلي أمام المرآة. تمسح بسبابتها الغبار الخفيف عن سطح الزجاج، ترى وجهها الذي لا يزال يحتفظ بلمعة باردة، كأنها لوحة لم يلمسها أحد. خلفها تبدو الغرفة محكومة بترتيب قسري، لا شيء خارج مكانه، تماما مثل حياتها، في الخارج يضج الشارع بحكايات الغادين والرائحين، تكتفي بمراقبة انعكاسها، تلمس خطوطا خفية بدأت ترسم زوايا الحزن تحت عينيها. تنهض وتفتح مذكراتها، صفحات بيضاء تتراكم، لا تحمل سوى تواريخ صامتة. تغلق الدفتر بعنف مفاجئ، تتجه إلى النافذة المطلقة على الشارع الكبير. عيناها تلاحقان فتيات يمررن بالشارع في كامل انقاتهن، ضحكاتهن المبتذلة، أيديهن المتشابكة مع الغرباء، واخريات يركبن السيارات، والوعود تتطاير كفقاعات الصابون. تشد على حافة النافذة حتى تبيض مفاصل الاصابع البضة، همست لنفسها
– هل هي اللعنة…؟
تنعكس صورة الغرفة المظلمة على الزجاج، جاعلة إياها تبدو كأنها محبوسة في صندوق زجاجي لا يراه أحد، تعود الى المكتب تسحب مذكراتها، تنظر إلى السنين تمضي، تنتظر حبا يليق بكرامتها، تشيخ بـقوة الانتظار المهيض والمر .لا تطلب المستحيل، تتمنى شخصا يقدر قيمتها قبل جمالها، يدرك أن الصبر الذي تحلت به ليس ضعفا، انما اختيار الحرة الملتزمة ، ترفض أن ترخص نفسها في سوق العلاقاتِ السريعة. انهت يومها بالدعاء، تغفو على أمل بأن الحياة التي لا تنصف أصحابَ الضمائر في البداية، قد تخبئ لهم ما يعوضهم عن طول الطريق، وأن الكرامة ليست عائقا أمام الزواج، انها المصفاة التي لا تختار إلا من يستحق.
في زاوية معتمة من الغرفة، تجلس، تنهض، تطلق الاهات، محاصرة بالهواجس والظنون. في عامها الثاني والثلاثين، المرآة تعكس وجها جميلا لكنه شاحب بـقوة الانتظار الطويل. الغربة الداخلية لم تعد مجرد شعور، أصبحت رفيقا يوميا، لا تجد لنفسها مكانا في مجتمع يبدو كأن القوانين فيه انقلبت، يزدهر من لا يستحق، وتحرم من تصون كرامتها. تسمع همسات بنات الجيران، يترددن في أذنيها كطنين نحلة مزعجة.
– الأمر ليس نصيبا يا ليلى، إنه عمل شيطاني.. عيون حسود وقفت في طريق سعادتك
في البدء كبرياؤها يرفض الخرافات، مع كل يوم يمر ورؤيتها فتيات أقل منها شأنا يرفلن في أثواب الزفاف، تآكلت جدران الصمود يوما على صدر يوم. تسللت الفكرة إلى الخلايا كسم بطيء،
– ماذا لو هناك فعلا قفل يمنع طريقي، ومفتاحه عند هؤلاء؟
تحت ضغط الوحدة والحرمان من حلم الأمومة الذي يلاحقها كظل، قررت ليلى قطع المسافات نحو مدينة بعيدة، نحو اسم ذاع صيته في فنون الدجل والشعوذة. الطريق طويل وموحش، يعكس حالة الضياع التي تعيشها الروح.
حين وصلت، بيت الشيخ قندوح لا يوحي بأنه وكر للدجل. فيلا متواضعة في حي هادئ، مدخلها مرتب، تفوح منه رائحة مسك هادئة لا تثير الريبة. لا دخان كثيف، إضاءة خافتة توحي بالسكينة. حين دخلت ليلى، استقبلتها امرأة في الخمسين، ملامحها توحي بالوقار، تتحدث بلهجة الأم الناصحة،
– أهلا يا ابنتي، الشيخ لا يستقبل الكثيرين، لكن وجهك يحمل انكسارا لا يخطئه بصره.
لم يكن بيت الشيخ قندوح يشبه ما تخيلته. لا روائح بخور خانقة، ولا طلاسم معلقة على الجدران. فقط هدوء مريب يغلف المكان. دخلت الغرفة، الرجل يجلس خلف مكتبه كأنه موظف في شركة كبرى. قميصه الأبيض مكوي بعناية، ولا شيء في عينيه يوحي بالغرابة. أمامه نسخة من القرآن الكريم وأوراقا مرتبة. شاب في أواخر الثلاثينيات، حليق اللحية بتهذيب. لا زيغان في عينيه، نظرات ثاقبة، هادئة، توحي بثقة مطلقة بالنفس. لم يبدأ بطلاسم، بدأ بـالتشخيص. نظر إلى يدي ليلى المرتجفتين، وقال بنبرة رخيمة ومطمئنة:
– أرى في عينيك تعبا تعب الجسد، انما تعب روح تبحث عن مكان لا تجده. لست هنا لأنك تؤمنين بالخرافات، أنت هنا لأنك وصلت إلى مرحلة الانكسار العاقل ، تلك المرحلة التي يضطر فيها الإنسان القوي لطلب المساعدة من مصادر لا يفهمها.
دهشت ليلى واحست برعشة تسري في الاحشاء ،الشيخ يقرأ أفكارها بدقة مرعبة، سأل بصوت رخيم، وكأنه يقرأ في عينيها قصة لم تروها لأحد. لم تكن الكلمات سحرا، انما مشرطا يغور في الجرح المفتوح. شعرت بارتخاء مفاجئ في كتفيها، وكأن ثقلا أزاحه أحدهم عنها. استدرجها للحديث باسلوب سهل، جعلها تفرغ مخاوفها، كل ضيقها من نظرات الجيران، ومن شعورها بأنها خارج الزمن. ينصت باهتمام، يهز رأسه بأسى مصطنع، مما جعل ليلى تشعر لأول مرة أن هناك من يفهم مأساتها دون أن يحكم عليها. بعد ساعة من الحديث الروحاني، قال الشيخ بنبرة جادة.
– هناك طاقة سلبية محيطة بك، ناتجة عن عيون لم ترحم رقيك. نحتاج إلى جلسة استشفاء وتطهير فردية. ستكون صلاة مطولة، وأورادا معينة، مع شرب مادة طبيعية مستخلصة من أعشاب جبلية تساعد على انفتاح البصيرة اشربي، هذا عشب من جبال الأطلس، يصفي الرؤية ويزيل الخوف والضغط
مد إليها الكأس بابتسامة هادئة. لم تر فيه دجالا، رأت فيه طوق نجاة. شربت، وبينما بدأ السقف يتراقص فوق رأسها، تلاشى صوت الشارع، وصوت الام والاب، صوت نظرات الجيران التي تلاحقها، نصائح الجارة الباتول. شعرت أنها أخيرا تطفو. أكمل بذكاء.
– أنت عفيفة، متمسكة بمبادئك، وفي زماننا أصبح الامر عائقا في نظر الكثيرين. الناس يرون في صمتك ضعفا، وفي هدوئك انعزالا. أنا لا أبيع لك أوهاما، يا سيدتي. أنا أقرأ القوانين الخفية للكون، وأساعد من يمتلكون نورا’ مثلك على استعادة توازنهم.
حين قدم لها الكأس، رائحة المحلول تشبه أعشابا مهدئة، تناولتها دون تردد. نجح في شراء ثقتها عبر احترامها، عبر منحها الشعور بأنها ليست ضحية حظ انما ضحية تميزها. لم تكن غرفته زنزانة، تبدو كمحراب للسلام. وعندما بدأ غياب الوعي يتسلل إليها، ظل صوته يتردد في أذنيها كنسمة هادئة.
– استرخي.. دعي العالم كله خلف الباب.. أنت الآن في أيد أمينة.
ظنت أنها دخلت لطلب المساعدة، ولم تدرك أنها دخلت المصيدة التي نصبت لها بذكاء شيطاني لا يعتمد على الطلاسم، بل على استغلال أدق نقاط ضعف النفس البشرية، الحاجة إلى الشعور بالاستحقاق والتقدير.
غابت عن الوعي جردها من الملابس، وبدأ يمارس عليها طقوسا دنيئة باسم الدين والسحر، وانتهى الأمر بانتهاك براءتها. في تلك اللحظات لم يكن الاعتداء جسديا فحسب، تحطيم قوي لآخر حصون الكرامة التي ظلت تحميها لسنوات. خرجت من بيت الدجال، لا تحمل معها نصيبا أو زواجا، انما تحمل عارا لم تقترفه، ندوبا في الروح لن تندمل اطلاقا. عادت إلى المدينة منكسرة، ليس كفتاة تبحث عن زوج، كغريبة أشد اغترابا عن نفسها، ادركت بعد فوات الاوان الخديعة الكبرى لم تكن في سوء الحظ أو عيون الحساد، انها في ظنها أن الكرامة يمكن أن تسترد في دهاليز الدجل، وأن القاع لا يرحم من يحاول الصعود إليه بحثا عن سراب.
لم تكن ضحية لدجال يمارس السحر، انما ضحية لمتلاعب خبير، يدرك أن أسرع طريق لكسر قلاع العفة، إقناع صاحبتها بأنها ليست مخطئة، انما أرقى من أن تفهم، وبأن ما سيفعله الجسد الذي سيوصلها لنور الحق.
دخلت بيتها جسدا بلا روح، تحمل في أحشائها سرا أشد قسوة من كل ما عانته طوال حياتها. تحولت غرفتها إلى زنزانة ضيقة، أصبحت الوحدة التي تخشاها ملاذا، الرعب ينهش أطرافها، جزء من تفاصيل الايام. لم تعد تخشى قوة الانتظار، أصبحت تخشى قوة الحقيقة التي بدأت تبرز في تقاسيم الجسد.
مرت الأشهر ثقيلة كأنها دهور ،لم تعد المرآة الشاهد الوحيد. في تلك الليلة، حين أعلنت الخطوط الحمراء الصغيرة بفظاظة لا ترحم عن وجود حياة أخرى تتشكل داخل الاحشاء، لم تشعر بالخوف كفعل لحظي، بل شعرت بالكون ينهار على رؤوس الاصابع. جلست على حافة السرير. الغرفة التي تعد رمزا للتربية والهدوء والاستقامة، تبدو مكانا غريبا. الهواء ثقيل، يضيق الصدر تكاد تختنق. وضعت الكف على البطن..مسطح، ساكن، في الداخل يضج بصوت لا يسمعه أحد، صوت الخطيئة التي لم ترتكبها بالقلب، لكنها سجلت على الجسد قهرا. الجنين امتداد لكيانها، أم دليل الإدانة ،سيطاردها كلما نظرت في عين الشمس، نظرت إلى مذكراتها على المكتب. تلك الصفحات التي حفظت فيها طهرها وكرامتها لسنوات، بدت الآن كأنها سخرية القدر.
–كيف لامرأة سجنت في عفة اختيارها، أن تجد نفسها محبوسة في قدر لم تختره.
تساءلت بحيرة وارتباك كبير، سقطت الفكرة في الدماغ كركام أحجار ، نظرت إلى الهاتف النقال، استعرضت في المخيلة الخيارات المتاحة. شيئا ما في الاعماق يعوي في الشرايين، في الكرامة التي لم تفرط فيها يوما، الفكرة مزعجة وخبيثة، انتفضت، ارتعشت. إن قتلت الجنين، قتلت آخر ذرة من الانسانية، ستتحول الى قاتلة، تماما كالشيخ قندوح السارق. بدأت تتخيل نظرات الجيران، الجدران ليست صماء، تتنفس الفضائح والاخبار غير السارة. تخيلت طفلا ينمو، يفتح عينيه على عالم لا يرحم، طفل سيحمل وزر مجهول الأب في مجتمع لا يغفر للأنثى زلتها، حتى وإن كانت ضحية.
بدأت ترى ملامح الطفل في الخيال. خمنت هل سيشبهه ، هل سيحمل من وحشيته ، القشعريرة تسري في الحوباء. غسلت وجهها بالماء البارد، نظرت إلى المرآة مجددا. الوجه نفسه، العيون نفسها، لكن البريق البارد الذي غلفه انكسر. حاولت أن تبكي، الدموع جفت في المنابع. الغضب الوقود الوحيد المتبقي. غضب على الضعف والفعل الجبان، غضب على العالم الذي يرى في العفة ضعفا، وغضب عارم على الرجل الذي ظن أنه اشترى جسدا، ولم يدرك أنه أيقظ وحشا سيلاحقه حتى القاع. مشت في الغرفة ذهابا وإيابا. الخطوات لم تعد هادئة. اختفت الخطوات الموزونة التي تليق بفتاة محترمة ولطيفة ومتخلقة. خطوات امرأة تقيس مساحة زنزانتها قبل أن تقرر كسر الجدران. همست في المرآة.
– صوتي غريب، أجش، لكنه أول صوت حقيقي أسمعه منذ زمن.. والطفل قد جاء ليحطم حياتي، فسأجعله هو ذاته المعول الذي أهدم به بيت الظلم…
لم تعد تنتظر النصف الآخر ليكملها .اكتملت بالخوف، بالألم، وبالقرار الذي ولد في اللحظة التي لمست فيها البطن.