د.حوراء التلال
شكل التراث الشفهي في المجتمعات الإفريقية أحد أهم الوسائط الثقافية التي أسهمت في حفظ الذاكرة الجمعية ونقل الخبرات والقيم بين الأجيال، ولم تكن السيرة النبوية بمعزل عن هذا الفضاء الثقافي، فقد تجاوز حضورها حدود التدوين التاريخي التقليدي لتتحول إلى عنصر فاعل في البناء الثقافي والاجتماعي، حيث أعادت المجتمعات الإفريقية إنتاج أحداث السيرة وقيمها بما يتلاءم مع خصوصياتها الثقافية وأنماطها التعبيرية المتوارثة.
أنطلق المقال من التساؤل حول أسباب المكانة الاستثنائية التي حظيت بها السيرة النبوية في أفريقيا مقارنة بسير الشخصيات الدينية الأخرى، رغم تشابه بعض السمات المشتركة بينها، ويشير ذلك إلى أن هذا الاهتمام يعود إلى قدرة السيرة النبوية على الاندماج في النظم الثقافية المحلية واكتساب دلالات جديدة دون أن تفقد جوهرها الروحي والأخلاقي، اذ كشفت الروايات المتداولة في مناطق غرب إفريقيا، ولاسيما في نيجيريا وبلاد الماندينغ، عن امتداد ثقافي واسع للسيرة النبوية عبر المدائح والحكايات والأمثال الشعبية التي حفظها الرواة والمنشدون التقليديون.
أن عملية النقل الشفهي لا تقوم على مجرد استرجاع الأحداث الماضية، بل تمثل فعلاً حياً يعيد استحضار الماضي داخل الحاضر، إذ يُعاد بناء الوقائع في كل مناسبة سردية وفق السياق الاجتماعي والجمهور المتلقي، وتؤدي عناصر الأداء، مثل الإيقاع الموسيقي والطبول والأناشيد المصاحبة، دوراً محورياً في ترسيخ المعاني وتعزيز التفاعل الوجداني مع السيرة، فتغدو الرواية تجربة جماعية يعيشها المشاركون أكثر من كونها مادة معرفية تُتلى عليهم.
كما أن الخصائص الفنية التي ميزت السرد الشفهي الإفريقي، ومنها التكرار المقصود والتنوع الإيقاعي واستخدام الصور البلاغية والاستعارات، هي أدوات لا تهدف إلى الزخرفة اللفظية فحسب، بل تسهم في تثبيت المعلومات في الذاكرة الجماعية ومنح النص قوة تأثير واستمرارية عبر الزمن، ويعكس هذا النمط السردي رؤية إفريقية للزمن تقوم على الترابط بين الماضي والحاضر، بحيث يصبح استذكار السيرة النبوية وسيلة لفهم الواقع وتوجيه السلوك الاجتماعي.
وفي إطار تحليل صورة النبي محمد ﷺ في الوجدان الإفريقي، فأن المدائح والأغاني الشعبية قدمته بوصفه نموذجاً متكاملاً للفضائل الإنسانية، فهو القائد الحكيم، والمرشد الروحي، والمصلح الاجتماعي، ورمز الرحمة والعدل والتكافل، كما برزت أصوات متعددة في تشكيل هذه الصورة، فلم يقتصر الأمر على الشيوخ والزعماء والرواة، بل شاركت النساء، ولا سيما الأمهات وكبيرات السن، في نقل هذه المضامين وإدماجها في تفاصيل الحياة اليومية وعمليات التنشئة واتخاذ القرار داخل الأسرة.
كما أن الفضاءات الجماعية، مثل حلقات الإنشاد ومجالس الحكماء والاحتفالات الشعبية، أسهمت في ترسيخ مفهوم “الذاكرة المشتركة”، حيث لا يقتصر دور الجمهور على التلقي السلبي، بل يشارك في تقييم الروايات والتفاعل معها وإعادة إنتاجها، وبذلك تتحول السيرة النبوية إلى تجربة اجتماعية جامعة تعزز الشعور بالانتماء والهوية. وأن العلاقة بين السيرة النبوية ومفاهيم السلطة والقيادة في المجتمعات الإفريقية، إذ أظهرت الروايات الشفوية تنوعاً في الأدوار المنسوبة إلى النبي ﷺ؛ فتارة يُستحضر بوصفه ملكاً عادلاً، وتارة معالجاً أو مرشداً أو حكيماً، بما يعكس احتياجات المجتمعات المختلفة وتصوراتها للقيادة المشروعة، وقد أتاحت هذه التمثلات المتعددة مساحة واسعة للنقاش حول المسؤولية الاجتماعية، والتوجيه الأخلاقي، والعلاقة بين السلطة والقيم الإنسانية.
وعلى مستوى الانتشار الجغرافي، تجاوزت السيرة النبوية الحدود السياسية والثقافية عبر الهجرات والتفاعلات الحضارية، فأصبحت جزءاً من تجارب الشتات الإفريقي، واكتسبت أشكالاً جديدة من التعبير بلغات متعددة، مع احتفاظها بروحها الأساسية، وقد أفرز هذا الامتداد فرصاً للحوار بين الثقافات، وأسهم في بناء جسور للتفاهم حول القيم المشتركة التي تحملها السيرة النبوية، وفي المقابل، ناقش التحديات المرتبطة بنقل هذا التراث، وعلى رأسها إشكالية الموازنة بين الأصالة والتجديد، فالطابع المرن للتراث الشفهي يسمح بإعادة الصياغة والتكيف مع المتغيرات، غير أن ذلك يفرض مسؤوليات أخلاقية تتعلق بأمانة النقل واحترام الخصوصيات الثقافية وعدم تشويه المضامين الأصلية، كما يؤكد أهمية التحقق من الروايات، واعتماد التشاور مع أصحاب المعرفة المحلية، والحفاظ على الأبعاد الإنسانية والوجودية التي تشكل جوهر السيرة النبوية في الوعي الشعبي.
كما أثرت وسائل الإعلام الحديثة في استمرار هذا الإرث الثقافي، إذ انتقلت المدائح والروايات من فضاءات الأداء التقليدي إلى الإذاعات والأرشيفات الموسيقية والمنصات المعاصرة، بل وجدت طريقها إلى أشكال فنية جديدة تستهدف فئة الشباب، مثل الأعمال الدرامية والأغاني الحديثة، الأمر الذي ساعد في توسيع دائرة الانتشار رغم تراجع بعض أنماط السرد التقليدي.
وفي الختام يتضح لنا أن السيرة النبوية في التراث الشفهي الإفريقي تمثل نموذجاً حياً لتفاعل المقدس مع الثقافة المحلية، وأن قدرتها على التجدد والاستمرار تعكس حيوية المجتمعات التي تتداولها، فهي ليست مجرد رواية تاريخية عن الماضي، بل وسيلة تربوية وأخلاقية تسهم في بناء الهوية وتعزيز الانتماء وتوجيه الأفراد نحو منظومة من القيم الإنسانية الرفيعة، إضافة الى ذلك، فإن توثيق هذا التراث ودراسته علمياً يمثل ضرورة معرفية وثقافية لضمان استمراره وحمايته بوصفه أحد أشكال التعبير الإنساني التي تجمع بين الذاكرة والإيمان والإبداع.