الباحث الحقوقي د.رنج باراوي*
يُعلمنا التاريخ المعاصر للشعوب أن مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية هي دائمًا الأكثر خطورة؛ حيث الآفاق الضبابية، والصراعات المحمومة لإعادة تقاسم السلطة، وتشتت الخطاب الوطني، وتغول التدخلات الخارجية. هذه التحديات القاسية تمثل اختباراً وجودياً لمعظم الشعوب التي تنعتق من حكم الفرد الواحد.
وككاتب ومراقب للمشهد السياسي، أجدني مدفوعاً للاستشهاد بتلك الحكمة الشعبية الليبية البليغة التي تقول: “المركب اللي ليها رئيسين تغرق”. هذا المثل البسيط في كلماته، والعميق في أبعاده، يختزل بدقة جوهر الأزمة القاتلة التي تعيشها دولة ليبيا الشقيقة اليوم. وفي خضم هذا الانسداد، تبرز تجربة إقليم كوردستان العراق وموديل حكمه، وكيفية تجاوزه لواقع المؤسسات الموازية، كخارطة طريق عمليّة وملهمة لإنقاذ ليبيا وإخراجها من نفق الانقسام الراهن.
ولا بد هنا من التأكيد على أن طرح التجربة الكوردستانية لا يأتي من باب “الأستاذية” أو تقديم مواعظ وفوقية سياسية للأشقاء في ليبيا؛ فالشعب الليبي هو شعب مِقدام، عزيز النفس، يتنفس الحرية والكرامة، ويزخر بنخب فكرية وقامات وطنية قادرة على قيادة قارة بأكملها، وليس فقط دولة. إنما ينبع هذا الطرح من باب مشاركة الجراح والهموم المشتركة؛ فالتشابه بين ليبيا وإقليم كوردستان مذهل إلى حد التماهي؛ كلاهما عانى من وطأة نظام ديكتاتوري شمولي أفرغ الدولة من مؤسساتها الحقيقية، وكلاهما يمتلك ثروات نفطية هائلة تحولت بفعل الصراعات إلى لعنة بدلاً من أن تكون نعمة، وكلاهما دفع ضريبة قاسية من دماء أبنائه في حروب داخلية، وعانى من التدخلات الإقليمية والدولية الشرسة التي حاولت وما زالت تحاول اللعب على أوتار نسيجهما الاجتماعي والقبلي. إذن، نحن نتحدث لغة واحدة، وننطلق من وجع مشترك.
تفكيك لغم “الإدارتين”: من شظايا الحرب الداخلية إلى وحدة التراب
إن ما تعانيه ليبيا اليوم من انقسام سياسي وعسكري ومؤسساتي بين الشرق (طبرق وبنغازي) والغرب (طرابلس)، ووجود حكومتين ومؤسسات موازية، هو ذاته التاريخ القاسي الذي مر به إقليم كوردستان بعد انتفاضة عام 1991 وفي منتصف التسعينيات. لقد واجه الإقليم آنذاك حصاراً اقتصادياً وعسكرياً خانقاً من النظام العراقي السابق، وتدخلات إقليمية شرسة، وصراعاً داخلياً مريراً أدى في نهاية المطاف إلى واقع “الإدارتين” والانقسام الجغرافي والإداري.
لكن، كيف تحول كوردستان من هذا الوضع المتشظي إلى نموذج ناجح؟ الإجابة تكمن في “إرادة المراجعة الوطنية”. لقد وصلت القيادة السياسية في الإقليم، وتحديداً الحزبين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني)، إلى قناعة راسخة بأن استمرار الانقسام يعني الفناء الحتمي للكيان الدستوري. ومن خلال “الاتفاق الاستراتيجي”، لم يضعوا حداً للانقسام الجغرافي فحسب، بل وحدوا المؤسسات وصاغوا خطاباً وطنياً موحداً في بغداد جعل الأطراف الأخرى تحسب له ألف حساب. هذا هو الدرس التاريخي الأول الذي يتعين على القوى الوطنية في ليبيا استيعابه: لا توجد مكاسب حزبية أو جهوية تعادل قيمة الحفاظ على كيان الوطن.
اليوم، تحول دور عاصمة إقليم كوردستان (أربيل) من مركز إداري محلي إلى ثقل استراتيجي على مستوى العراق والمنطقة. فعندما يصل البيت السياسي العراقي (الشيعي والسني) إلى طريق مسدود، تتحول أربيل إلى “البيت الكوردي” الجامع والموثوق لترتيب الخلافات وتهدئتها. أربيل لم تعد مجرد جغرافيا، بل خارطة طريق سياسية تُضبط فيها توازنات القرار، وتقصدها المكونات المختلفة بروح مرنة لإيجاد مخارج دستورية وسياسية للازمات.
هذا الموديل في الحكم، المبني على السلام والتسامح والتعايش السلمي بين المكونات الدينية والقومية، منح الإقليم مكانة دولية رفيعة. وصار مقصداً دائمًا لقادة الدول الكبرى (مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا)، الذين يحرص رؤساء دولهم ووزراء خارجيتهم على زيارة أربيل رسمياً، مؤكدين على دعمهم لاستقرار الإقليم كشريك موثوق في الشرق الأوسط؛ وهو ذات الاستقرار والثقل الدولي الذي تفتقده ليبيا اليوم بسبب تشتت خطابها الخارجي.
في أي مجتمع ديمقراطي وحي، يعد وجود الاختلاف في وجهات النظر، وصوت المعارضة، وحتى الأصوات غير الوطنية التي تحاول التقليل من المنجزات، أمراً طبيعياً. وفي كوردستان، كانت هذه الأصوات موجودة، لكن عبقرية التجربة تمثلت في أن هذا التباين لم يتحول قط إلى عداء يهدد السلم الأهلي أو يعطل المسار الوطني. لقد أثبت البيت الكوردي أنه في القضايا المصيرية والوجودية يقف صفاً واحداً وبصوت واحد أمام الخصوم، ولهذا فشلت كل المخططات والخطابات التعبوية في تحقيق أهدافها، بل زادت من تماسك الجبهة الداخلية.
أزمات ليبيا وخارطة الطريق الكوردستانية لتجاوزها
إن الخروج بليبيا من أزمتها الراهنة يمر عبر إسقاط الحلول الكوردستانية المجربة على التحديات الليبية المشتركة:
أزمة الحكومتين والمؤسسات الموازية: تماماً كما تجاوز الإقليم أزمة إدارتي السليمانية وأربيل وضمهما تحت مظلة مجلس وزراء واحد، يحتاج الليبيون إلى صياغة تسوية تاريخية تجمع الشرق والغرب في حكومة ناهضة وموحدة تحمي المركب من الغرق.
تشتت الخطاب الوطني والخارجي: تكمن معضلة ليبيا في غياب الموقف الموحد أمام القوى الدولية. لقد أثبت “الاتفاق الاستراتيجي” في كوردستان أن وحدة الكلمة في الداخل تمنح المفاوض قوة مضاعفة في الخارج وتغلق الثغرات أمام المتربصين.
النزاعات المسلحة والجهوية: بدلاً من لغة السلاح، يطرح الإقليم نموذج التعايش والتسامح السياسي؛ فالأمازيغ، والطوارق، والعرب في ليبيا (الذين يجمعهم تراب نقي وتاريخ من النضال المشترك ضد المستعمر) يجب ألا يتحول تنوعهم إلى صدام، بل إلى ثراء تحت مظلة دولة مدنية جامعة.
التدخلات الدولية وحروب الوكالة: نجح الإقليم في حماية كيانه عبر اتخاذ سياسة متوازنة نأت به عن صراعات دول الجوار. وهو درس بليغ لليبيا لإنهاء الارتهان للأجندات الخارجية وإعادة صياغة علاقاتها الدولية بناءً على المصلحة الليبية الخالصة.
ومن هنا، يسوقني قلمي لتوجيه نظر القارئ الليبي والعربي إلى حكمة أخرى تفيض بها الذاكرة الشعبية الليبية: “الـحْـصِـيْرَة تْـلِـمّ، والـشَّـقْ مَـا يْـلِـمّ”. إن حصيرة صغيرة يتسع صدرها للتوافق والتسامح الوطني كفيلة بأن تجمع كل الأطراف المتنازعة في طرابلس وبنغازي على طاولة واحدة وتصون كرامة البلاد، أما الاستمرار في تعميق “الشق” والانقسام فلن ينصر طرفاً، بل سيستمر في تمزيق ما تبقى من جسد الوطن.
إن تجربة إقليم كوردستان ليست درساً يلقى من بعيد، بل هي مرآة صادقة تظهر لليبيين الأحرار أن الإرادة الداخلية والتوافق الوطني قادران على انتشال الوطن من حافة الانهيار إلى قمة الاستقرار والاعتراف الدولي. فمثلما نهض كوردستان من رماد الحرب والانقسام ليصبح نموذجاً مشرقاً، فإن طرابلس وبنغازي، برجالهما الشجعان وحكمتهم المعهودة، قادرون اليوم على استلهام هذه الروح من أربيل لبناء ليبيا المستقرة والموحدة والمزدهرة.
*رئيس معهد الإصلاح الجنائي
كوردستان العراق