هناك عند الحافة …قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

هناك يجتمع الرجال والنساء . يكتبون أحلامهم عند أغصان الزيتون . يبثون نفحات التجلي والدعاء بين أطلال أمانيهم . يسمعون آهات الشاعر . كانت نفوسهم عطشى لسماعها . لم تعد الفلسفة وحدها تنقذهم . يبحثون عن دروب تتحرر فيها حريتهم . يبحثون عن فلسفة جديدة تقنع شغف نفوسهم لفهم تقلبات الحياة المفروضة عمدا .

القمر كان يراقبهم ويعرف انهم يجتمعون سرا بعيدا عن أعين المخبرين . ويعرف صاحب الورشة المهندس الفتى النقي . الذي يبثه همومه كل يوم قبيل الفجر . فهو من ضيع قصيدته في رثاء نفسه لكنه بقي مستيقظا أبدا .

دخل العامل الأجير الى ورشة المهندس صباحا وهو يتمتم همسا بأغنية لفيروز

وحين وجد نفسه وجها لوجه أمام امرأة بارعة الجمال أنيقة الملبس ارتجفت قدماه وتلعثم لسانه وراح يتملقها بألفاظ غير مترابطة انها زوجة المهندس صاحب الورشة بينما راحت هي تعيد ترتيب تسريحة شعرها أمام المرآة . كأنها لا تراه ولا تسمعه .فهي امرأة لا تفكر كثيرا بمجريات الحياة . بل تعيش يومها ولا يهمها سوى ارضاء غرورها وزينتها .

بادرها قائلا : سيدتي سيكون اختيارك في محله فأنا وزميلي نبذل جهودا كبيرة في إدارة شؤون الورشة . بعد ان ترك زوجك المهندس العمل قبل أيام قليلة . إننا قلقون بشأنه . قالت : أعرف ذلك وأثق بكما . وطالما حدثني المهندس عن اخلاصكما

وما سبب تواجدك في الورشة إذن ؟؟

أريد أن أتعرف على طبيعة العمل . وربما سأكون مديرة هذه الورشة بعد موت زوجي أو سجنه أو أي سبب يبعده عن الورشة .

يا إلهي هذا فأل سيء . كيف تجرأت سيدتي لتقول هذا الكلام . وهل يشكو المهندس من مرض عضال لا سامح الله . ؟؟

لا يشكو من شيء . هذه الأيام تعذبني . فهو لا يعي ما يفعل . وهو الذي يغامر باقتناء كفنه . ليراقص شبح الموت . لقد تحول زوجي الى تمثال متصخر نعم ربما سيموت في موعد لا أعرفه . ولسبب لا أعرفه . !!!

وهل أنت من ….؟؟ وهل تدبرين له شيئا ما . ؟؟

تبقى غبيا كما وصفتك سابقا .!!

كلما مرّ الوقت يكبر فضوله ويتطلع اليها بدقة وترقب . تدور في رأسه أسئلة تثير فيه القلق والاضطراب . فزوجها المسالم يعود لبيته متعبا منهك القوى . كما انه لم يلمح في تصرفاته ما يدعو للريبة . اهتمامه بشؤون أسرته لم يتغير وهموم الوطن تشغله ويتبادل الأحاديث بشأنها معه وهو العامل البسيط الأجير .لكنه يكتب مقالاته وينشرها برأيه الصريح وكذلك تورطه في هموم السياسة وانجرافه للتصدي دون مواربة .

عباراتها ما زالت ترن في أذنه كالصاعقة . ان ما قالته يتسم بالسخف . فصاحب الورشة مثله الأعلى في الجرأة وحسن التصرف والتدبير .

المهندس لم يحصل على فرصة عمل في قطاع حكومي أيام تسعينيات القرن المنصرم . لذا استعان بأصحابه لتأسيس هذه الورشة شيئا فشيئا .

ما زال العامل يفكر بكلماتها وصدى عباراتها يمزق أحشائه . لقد أقلقت روحه . فأخذ يراقب كل كلمة تخرج من بين شفتيها . لكنه حاول ان يخفف من وطأة إحساسه بحماقتها . ربما انها امرأة مختلة حين تقول ان زوجها تحول الى تمثال . يا إلهي ماذا أفعل . ؟؟

وهنا أمسك رأسه بكلتا يديه . ثم أخذ نفسا عميقا . وهو ينصت لصرخة من أعماقه تقول : عليك ان تخبره . فذلك ما تحتمه الأمانة والإخلاص .

قادته قدماه دون وعيه نحو المهندس في بيته . لكنه وجد نفسه عاجزا عن الكلام . وفي غمرة يأسه . قرر ان يعود من حيث أتى .

لكنه سمع صوتا مألوفا لديه يخاطبه بهمس ويأمره بالاقتراب . آه انه صوت صاحبه المهندس . أو بالأحرى صوت التمثال . !!! ربما نداء خفي جعله ينتبه الى قلق المهندس . مضى بصمته الطويل وهو يحدق بعينيّ التمثال . غير انه فهم ما تعنيه تلك النظرات الغاضبة رغم انه ما زال يعاني من بساطته الريفية وبعضا من سذاجته المعروفة .

بادره قائلا : إنك في عداد الموتى تقول زوجك !!

أجابه المهندس : ـ انها لم ولن تفهم معاناتي لأنها لم تقرأ التأريخ بدقة وانها مهمة صعبة للغاية ان يفهم المرء ما لم يصرح به .

انها الحروب التي أنجبت لنا ما يسمى بالضياع والتشتت . ظلت أفكاره تلاحقه وتعذب روحه . وتأبى روحه ان تنجرف معهم في نفاقهم . أو ان تحيد عما تؤمن به

لقد بلغ تأثر العامل بقصة المهندس الغريبة . الى تماه غريب معها .

فما كان منه الا ان يقف بجانبه ليصبح تمثالا مثله .

2012

قد يعجبك ايضا