نوري جاسم.
حين يتأمل الإنسان في هذا الكون الفسيح، ويُطلق لروحه العنان لتسبح في آفاق الوجود، يقف أمام سؤالٍ عظيم ظل يرافق البشرية منذ فجر الوعي: من أين جاء كل هذا الوجود؟ وإلى أين يمضي؟ وبين البداية والنهاية تتجه القلوب إلى الحقيقة الكبرى التي لا بداية لها ولا نهاية، إلى الله تعالى، الأزلي الأبدي السرمدي. وإن الأزلية ليست مجرد مفهومٍ فلسفي، بل هي إشراقة معرفية تدرك بها الروح أن الله سبحانه لم يسبقه عدم، ولم يسبقه زمان، ولم يكن محتاجاً إلى مكان. كان الله ولا شيء معه، وهو اليوم على ما عليه كان. فالأزلية تعني التحرر المطلق من قيود البداية، وهي صفة لا تليق إلا بالحق سبحانه، لأن كل ما سواه حادثٌ ومخلوق ومحدود. وأما الأبدية فهي الوجه الآخر لجمال الوجود الإلهي؛ فكما أن الله تعالى لا بداية له، فإنه لا نهاية له أيضاً. كل شيء في هذا العالم يسير نحو التغير والزوال، إلا وجه الله الكريم الذي يبقى متصفاً بكماله وجلاله وعظمته. ولهذا كانت الأبدية باباً من أبواب الطمأنينة للمؤمن، إذ يعلم أن اتصاله بالله هو اتصال بالحقيقة الباقية التي لا تفنى. وعندما يلتقي الأزل بالأبد في حضرة الواحد الأحد، تتجلى السرمدية بوصفها دوام الوجود الإلهي بلا انقطاع. فالسرمدية ليست زمناً ممتداً إلى ما لا نهاية، بل هي حقيقة تتجاوز الزمان نفسه. إن الزمان يجري على المخلوقات، أما الخالق فهو الذي أوجد الزمان، فلا يحكمه ماضٍ ولا مستقبل، بل هو سبحانه حاضر بعلمه وقدرته وإحاطته في كل آن، وفي التجربة الصوفية العرفانية، لا يقف السالك عند حدود الألفاظ والمصطلحات، بل يسعى إلى تذوق معانيها بقلبه. فكلما ازداد شهوداً لفناء الأشياء وتقلب الأحوال، ازداد يقيناً ببقاء الحق سبحانه. يرى الوجوه تتغير، والدول تتبدل، والحضارات تتعاقب، والأعمار تمضي، لكنه يلمح خلف هذا المشهد المتحرك حقيقة ثابتة لا تتغير، هي حقيقة الله الأزلي الأبدي السرمدي. ومن هنا تنشأ الحكمة الكبرى: أن الإنسان لا يجد السكينة في التعلق بالمؤقت، بل في الارتباط بالدائم. ولا يجد الأمان في المحدود، بل في اللجوء إلى المطلق. فكل محبة لا تستند إلى محبة الله معرضة للذبول، وكل قوة لا تستمد نورها من الله معرضة للانهيار، وكل مشروع لا يتصل بالقيم الإلهية معرض للضياع. وإن معرفة الله بوصفه الأزلي الأبدي السرمدي ليست قضية فكرية مجردة، بل هي منهج حياة. إنها دعوة للإنسان أن يتحرر من أسر اللحظة العابرة، وأن ينظر إلى نفسه والكون من منظور أوسع وأعمق. فعندما يدرك أن مصدره من الله، وأن مصيره إلى الله، وأن حياته كلها تجري في ملك الله، يصبح أكثر رحمةً واتزاناً وتواضعاً ومحبةً للخلق. وهكذا تبقى الأزلية والأبدية والسرمدية أنواراً تهدي القلوب إلى الحقيقة الكبرى، وتذكر الإنسان بأنه مهما اتسعت معارفه وارتفعت منجزاته، فإنه يظل واقفاً بخشوع أمام سر الوجود الأعظم، أمام الله تعالى، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والباقي الذي لا يزول، والنور الذي تستمد منه الأكوان كلها معنى وجودها وحكمة مسيرتها. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..