د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
الحلقة الرابعة
لا يحاول القبيسي هنا نفي الوجود الكوردي فحسب، بل تقليص جغرافية كوردستان نفسها عبر قراءة مبتسرة لخريطة ابن حوقل، وكأنه يتعامل مع خريطة حدودية حديثة من القرن العشرين، لا مع تصور جغرافي من القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي.
والمفارقة أن من لا يحسن قراءة الجغرافيا التي وُلد فيها، يريد أن يعلّمنا حدود كوردستان من خلال إسقاطات مرتبكة، تنقل مركز النقاش إلى جنوب وغرب بحر قزوين وشمال طهران، وكأن كوردستان كلها تختزل هناك. وهذه ليست قراءة جغرافية، بل هروب من الجغرافيا.
وما يزيد الأمر بؤسًا أن القبيسي يحاول الظهور بمظهر الباحث الممسك بالمصادر، بينما تكشف أمثلته، واحدًا بعد آخر، عن سذاجة معرفية غارقة في الجهل، وعن عجز واضح في فهم النصوص والخرائط والسياقات التاريخية. وسأعود إلى هذه الأمثلة لاحقًا، لأنها لا تحتاج إلى كثير عناء لكشف هشاشتها؛ فهي تنهار بمجرد وضعها أمام أبسط قواعد القراءة الجغرافية والتاريخية.
لقد قرأتُ خريطة ابن حوقل قبل أكثر من عقد، لا كهاوٍ يفتش عن جملة تخدم موقفًا سياسيًا، بل كجغرافي يعرف أن الخرائط القديمة لا تُقرأ بمنطق الحدود القومية الحديثة.
إن خريطة ابن حوقل وكتابه «صورة الأرض» لا يمكن أن يُقرأا بهذه الخفة. فابن حوقل لم يكن يرسم حدود دول قومية، ولا يقدم خرائط هندسية تصلح لحسم انتماء الشعوب إلى أرضها، بل كان ينتمي إلى تقليد جغرافي إسلامي وصفي، يتعامل مع الأقاليم، والبلدان، والمسالك، والممالك، والجبال، والأنهار، ومناطق النفوذ والتجاور البشري.
لذلك فإن التعامل مع خريطته يحتاج إلى قراءة علمية هادئة، لا إلى عبث أيديولوجي بخريطة قديمة لا تحتمل هذا النوع من الإسقاط القومي الحديث، ولا إلى اقتطاعٍ مرتبك يُستخدم لتقليص جغرافية كوردستان أو إخراج الكورد من أرضهم التاريخية.
والأشد ابتذالًا أن تُبنى جدلية كاملة على تفسير مغفل لكلمة “الكورد”، أو على أسماء مثل أربيل والسليمانية، وكأن التاريخ يبدأ من لفظة معزولة أو من تسمية مدينة. هذا لا يكشف ضعفًا في قراءة التاريخ فحسب، بل يطعن حتى في جدية الاختصاص اللساني ذاته؛ فاللغة لا تُفسَّر بالهوى السياسي، ولا تُردّ أسماء الشعوب إلى اشتقاقات مرتجلة تخدم رغبة مسبقة في النفي. ولو كان اللسان وحده يكفي لإلغاء الشعوب، لكان بالإمكان محو نصف تاريخ الشرق بألعاب اشتقاقية لا تساوي حبرها.
إن اسم الكورد ورد في مصادر تاريخية عربية وإسلامية مبكرة، كما ظهر حضورهم في الجغرافيا والقبائل والجبال والمدن والوقائع، قبل أن تتحول العربية القرآنية/القرشية إلى معيار كتابي جامع في المنطقة. ومن المعلوم أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا كتلة لغوية موحدة بالمعنى الثقافي والسياسي اللاحق، بل قبائل ولهجات متعددة، وحين تمددت الغزوات العربية–الإسلامية كانت الرسالة والنص يوحّدان المجال الرمزي والديني أسرع مما كانت اللغة توحّد كل البنى الاجتماعية واللسانية. فبأي منطق يأتي القبيسي، بعد قرون، ليزعم أن “الكورد” تعني “الأبعد” أو “المبعدين” باللغة العربية؟ وبأي لهجة؟ وفي أي سياق؟ وهل كان المؤرخون والجغرافيون المسلمون، الذين ذكروا الكورد بوصفهم قومًا وقبائل وجغرافيا، أجهل من تأويل متأخر يريد أن يمحو شعبًا بخلق اشتقاق لغوي سقيم؟
ثم ماذا يفعل القبيسي بالذكر المبكر للكورد في أخبار البصرة والغزوات، والرقة والرها ونصيبين وغيرها من المدن، أو بما ورد في الشعر العربي ذاته؟ ألم يقل مالك بن الريب، صاحب واحدة من أشهر المراثي في الشعر العربي:
“أقول وقد حالت قرى الكُرد بيننا / جزى الله عمرًا خيرَ ما كان جازيا”؟
والتي قالها في خلافة عثمان بن عفان، عندما كان غازيا في خراسان، وتوفي فوق رابية على مشارف طيسفون – التي عربت إلى المدائن – عاصمة الإمبراطورية الساسانية، فأين هي هذه “القرى المبعدة”؟ وهل كانت “قرى الكورد” في وعي الشاعر مجرد اشتقاق لغوي طارئ، أم جغرافيا معلومة في المخيال العربي المبكر؟ إن محاولة تحويل اسم شعب إلى لعبة اشتقاقية لا تهين الكورد وحدهم، بل تهين اللغة العربية نفسها، لأنها تفترض أن العرب الأوائل كانوا يذكرون الأسماء بلا معرفة، وأن الجغرافيين كانوا يرسمون العوالم بلا إدراك، وأن المؤرخين كانوا يكتبون عن قوم لا وجود لهم.
والشاهد التالي، الذي يسبق النص الأول بما يقارب قرنًا من الزمن، يكشف مقدار الهشاشة المعرفية في أطروحات الدكتور محمد بهجت القبيسي؛ إذ يبدو، على الأرجح، أنه لم يطّلع عليه، ولو قرأه لما تجرأ على إطلاق أحكامه التعميمية حول عروبة تلك الجغرافيا التي كانت، في عمقها التاريخي، جزءًا من المجال الكوردي – الساساني.
يتبع…