ياسين الحديدي
تتداول وسائل التواصل الاجتماعي تقارير تلفزيونية وصحفية عن الغابات في كركوك، وتحديداً غابة شناغة في قضاء الدبس، التي ما زالت تصارع من أجل البقاء في مواجهة الموت البطيء. كما تستحضر هذه التقارير ذكرى غابة إعدادية زراعة كركزك، أول إعدادية زراعية في العراق، والتي يعرفها أهل الرياض وكل من عرف المنطقة عن قرب أو بعد، باعتبارها واحدة من الصفحات المشرقة في تاريخ القضاء.
كانت تلك المؤسسة أشبه بكلية زراعة، بل ربما أكثر تأثيراً في بعض المقاييس، وأسهمت في إعداد أجيال من المختصين الذين كان لهم دور مهم في تطوير الزراعة العراقية. ومن بين خريجيها من وصل إلى مواقع قيادية في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي. أما الغابة التي كانت تحتضنها فقد التهمتها نيران الإهمال، وتحولت أشجارها إلى حطب للمواقد، ولم يبق منها سوى الذكريات في نفوس من عاشوا عصرها الذهبي.
قد ينسينا الزمن الكثير، لكن ذاكرة التاريخ تبقى حاضرة، خصوصاً في عصر التوثيق الرقمي الذي يجعل استعادة الماضي أمراً يسيراً بضغطة زر.
وقد دفعني إلى كتابة هذه السطور ما شاهدته من تقارير إعلامية وصحفية متداولة عن واقع الغابات في كركوك. فالحكومات العراقية، منذ بدايات الحكم الوطني، أولت اهتماماً كبيراً بالغابات لمكافحة التصحر. ومن المبادرات المهمة في سبعينيات القرن الماضي تعيين أعداد كبيرة من العمال في أقسام الغابات، وكان الجميع يشاهد العمال على طريق السليمانية وهم يزرعون الجبال والسفوح والتلال. وقد تحولت تلك المناطق اليوم إلى غابات خضراء بفضل الرعاية المستمرة التي قدمتها الدولة قبل عام 1991، ثم حكومة إقليم كردستان بعد ذلك، التي واصلت الاهتمام بهذا الجانب البيئي والسياحي وفق تخطيط علمي وجمالي مستمر.
في المقابل، انشغلت الحكومات المحلية في كثير من الأحيان بالمشاريع الخدمية السريعة التي تحقق إنجازاً آنياً، بينما تراجعت المشاريع الاستراتيجية بعيدة المدى، ومنها مشاريع الغابات والتشجير، لأنها لا تحقق مردوداً سياسياً أو مالياً سريعاً. فتوجه الاهتمام إلى المولات وتبليط الشوارع وبعض المشاريع الخدمية الأخرى، فيما بقيت المشاريع البيئية في ذيل الأولويات.
الغابات لا تكاد تحضر في ذاكرة الحكومات المحلية، سواء في مركز المحافظة أو الأقضية والنواحي. ويُعد قضاء الدبس مثالاً واضحاً على ذلك، رغم أنه من أهم أقضية كركوك. فهو يحتضن حقول باي حسن النفطية وموقع نمرة (8)، الذي كان يوماً ما أشبه بإحدى الضواحي الأوروبية من حيث التنظيم والجمال العمراني. ومع مرور الزمن تراجع حاله إلى وضع مؤسف.
كما أن الدبس تضم أقدم المحطات الكهربائية، وتعد من أهم مصادر الطاقة في المحافظة، فضلاً عن أنها تستفيد من مياه نهر الزاب الذي تتفرع منه الجداول والمشاريع الإروائية التي أسهمت في نهضة الزراعة في المنطقة.
وأينما اتجهت في الدبس تجد آثار المشاريع الكبرى؛ من منشآت الكبريت وغاز الشمال إلى المستودعات الحديثة ومشاريع الماء والكهرباء. ومع ذلك، بقي القضاء يعاني من الإهمال، وكأن خيراته لا تنعكس على واقعه الخدمي والتنموي.
أما غابة شناغة، فهي مشروع مهم يمكن أن يتحول إلى محطة سياحية كبرى لكركوك والعراق. فهي تجمع بين المياه والخضرة والطبيعة الجميلة، ولا تحتاج إلا إلى الرعاية والتخطيط والاستثمار المناسب. وإذا استمر الإهمال الحالي فإنها ستواجه خطر الموت البطيء، لتصبح مجرد ذكرى كما حدث لغيرها من المواقع المهمة.
وتبلغ مساحة الغابة نحو (3000) دونم، وقد افتتحت عام 1964، وتعد أكبر غابة في العراق. وتضم مشاتل لإنتاج أشجار الغابات والزينة، فضلاً عن الدور السكنية والطرق الداخلية. كما تحظى بدعم من بعض المصارف الأهلية لإنتاج الشتلات وتكثيرها.
وفي هذا العام تم توزيع (25) ألف شتلة مجاناً على بلديات الأقضية والنواحي في كركوك، بسبب ضعف الإقبال على الشراء منها، في حين يتم شراء الشتلات من محافظات أخرى وبأسعار مرتفعة، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات.
كما تضم الغابة محمية لغزال الريم العراقي النادر، حيث تتم إدارة أعداد القطيع وفق أسس فنية تراعي مواسم التكاثر. وفيها أيضاً مساحات مخصصة لإنتاج بذور الحنطة المحسنة من الأصناف المعتمدة، إضافة إلى خلايا نحل تنتج عسلاً طبيعياً عالي الجودة.
وكانت الغابة تستثمر الأخشاب الناتجة عن الأشجار المتساقطة أو المتضررة، إلا أن الإدارة الحالية أوقفت بعض الممارسات السابقة حفاظاً على الثروة الحرجية. ويقود العمل فيها المهندس أحمد، الذي يُعد من أكثر العاملين إخلاصاً للموقع، حيث يواصل جهوده اليومية في الزراعة والسقي والمتابعة رغم قلة الإمكانات.
وتواجه الغابة تحديات كبيرة، منها الحرائق التي تعرضت لها في عامي 2015 و2020 بسبب حرق مخلفات الحصاد في الأراضي الزراعية المجاورة. كما تعاني من غياب السياج الواقي، ما يجعلها عرضة للرعي الجائر ودخول الحيوانات بشكل مستمر.
ومن القضايا الأخرى التي تستحق المعالجة ما يتعلق بعمليات استخراج الحصى والرمال من نهر الزاب، والتي تؤدي في بعض المواقع إلى تكوين حفر عميقة تشكل خطراً على السباحين وتزيد من احتمالات حوادث الغرق.
ورغم أهمية الغابة، فإنها تعاني من ضعف الدعم الحكومي وقلة التخصيصات المالية. فإدارة آلاف الدونمات تقع على عاتق عدد محدود من الموظفين والعاملين، وبعض المتعاقدين لم يتقاضوا رواتبهم لفترات طويلة بانتظار تثبيتهم على الملاك الدائم.
ختاماً، تحية لأهل الدبس، وأدعو إلى زيادة الضغط الشعبي والإعلامي على الجهات المعنية من أجل تطوير غابة شناغة وتحويلها إلى مشروع سياحي واستثماري متكامل، يضم مرافق ترفيهية وأماكن إقامة ومواقع جذب سياحي. فالمكان يمتلك كل مقومات النجاح، ولا يحتاج إلا إلى الإرادة والتخطيط.
لا شيء مستحيل تحت الشمس؛ فبالعزيمة والإخلاص تُبنى الأوطان، وتُصان الثروات الطبيعية للأجيال.