من قتل الفلاح؟

امجد عبدالكريم

ما بين بساتين برتقال ديالى، وسهول أربيل، وحقول الأنبار، ونخيل البصرة، لم يُدفن الفلاح جسداً، بل دُفن دوره هناك، حيث ، بدأ غياب الفلاح بصمتٍ طويل يشبه الموت البطيء. ولم يكن لهذا قاتل واحد او رصاصة واحدة، بل عوامل متراكمة شاركت في تهميشه واقصائه، ومن هنا يبرز السؤال من قتل الفلاح؟

1- القتل الرمزي للمكانة الاجتماعية
قُتل الفلاح عندما لم يعد يُنظر إليه بوصفه منتجاً للغذاء وصانعاً للاستقرار، بل جرى تقليصه إلى مهنة أقل مكانة من الوظيفة المكتبية. فتآكلت هيبته الاجتماعية وتراجعت جاذبية المهنة لدى الأجيال الجديدة.

2- القتل الثقافي
أُجهِز على الفلاح عندما انقطعت الصلة بين الأجيال والأرض. لم تعد الحكايات الزراعية والخبرات المتوارثة تنتقل كما كانت، فتآكلت الثقافة الريفية التي كانت تحمل قيماً مثل الصبر والتعاون والارتباط بالمواسم.

3- القتل النفسي
انكسر الفلاح عندما فقد الأمل. فالإنسان قد يتحمل المشقة، لكنه لا يتحمل شعوراً دائماً بأن جهده لا يغيّر شيئاً. الإحباط المستمر كان كفيلاً بإطفاء الدافع قبل الجهد نفسه.

4- القتل الإعلامي
توارى الفلاح عندما غاب عن السرديات الإعلامية الكبرى. نادراً ما يُحتفى بنجاحاته أو تُروى قصصه، بينما تحظى قطاعات أخرى بمساحات واسعة من الاهتمام. وما لا يظهر في الإعلام يتراجع حضوره في الوعي العام.

5- القتل التكنولوجي
تُرك الفلاح خلف التحول التقني عندما اتسعت الفجوة بينه وبين المعرفة الحديثة. فالعالم الزراعي يتغير بسرعة، ومن لا يواكب أدواته الجديدة يفقد تدريجياً القدرة على المنافسة.

6- القتل الديموغرافي
تآكل الفلاح عندما شاخت القرى. مع هجرة الشباب إلى المدن، بقي كبار السن يديرون الأرض، وتضاءل من يرغب في حمل المسؤولية بعدهم.

7- القتل السردي
تراجع الفلاح عندما انتصرت سردية المدينة على سردية “الأرض”، فأصبح النجاح يُقاس بالابتعاد عن الحقل لا بالنجاح فيه، وصارت الهجرة تُقدَّم كحلم بينما البقاء في الريف يُرى كخيار اضطراري.

8- القتل الاقتصادي غير المباشر
حُوصِر الفلاح اقتصادياً عندما تحوّل من صانعٍ للقيمة إلى مستهلكٍ لها؛ يشتري معظم احتياجاته من الخارج، بينما تراجعت قدرته على التحكم بسلسلة القيمة التي تبدأ من الحقل وتنتهي في السوق.

الفلاح لم يقتل في الحقل، بل قتلنا في الوعي العام.

قد يعجبك ايضا