حين تخاف المجتمعات من امرأةٍ تفكر… تبدأ حفلات الرجم الإلكتروني.

نجاح هيفو

ليست المشكلة في أن تختلف مع امرأة تعمل في الشأن العام.
الاختلاف حق، والسياسة والرأي والمساحات العامة خُلقت أساسًا لتعدد الأصوات.

لكن الكارثة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى حملة تشويه،
وحين يصبح جسد المرأة، وصورتها، وطريقتها، وصوتها، وحتى ضحكتها… مادة للنقاش بدل أفكارها.

في مجتمعاتنا، ما زال كثيرون يتعاملون مع المرأة القوية وكأنها خطأ يجب تصحيحه.
امرأة تقرر أن تكون حاضرة، أن تناقش، أن تقود، أن تنتقد، أو حتى أن تمتلك رأيًا مستقلًا…
كل هذا كافٍ ليوقظ جيوشًا من الحقد الإلكتروني.

فجأة يتحول “الفيسبوك” إلى محكمة،
ويتحول أصحاب الحسابات الوهمية إلى أوصياء على الأخلاق،
ويصبح التنمر نوعًا من “النضال”،
والإهانة وجهة نظر،
والسخرية بطولة جماعية يمارسها الفارغون على حساب امرأة اختارت ألّا تكون صامتة.

المثير للسخرية أن كثيرًا ممن يهاجمون النساء باسم المبادئ، لا يملكون من المبادئ سوى قدرتهم على الإساءة.
لا يناقشون مشروعًا،
ولا يردّون على فكرة،
ولا يملكون شجاعة الحوار الحقيقي،
بل يختبئون خلف منشورات سطحية وتعليقات رخيصة، لأنهم يعرفون في أعماقهم أن المرأة التي تواجههم بعقلها أخطر عليهم من ألف خصم.

بعض العقليات لا يزعجها الفساد،
ولا الاستبداد،
ولا الفشل،
ولا الخراب الذي يحيط بنا من كل الجهات…
لكنها ترتعب من امرأة تمتلك حضورًا وتأثيرًا وكلمة.

لأن المرأة حين تدخل مراكز القرار، تهزّ توازنًا قديمًا اعتاد أن يرى النساء في الصفوف الخلفية فقط.
وحين تنجح امرأة كوردية، أو عربية، أو أي امرأة من هذه المنطقة المنهكة، في فرض وجودها، يبدأ البعض بمحاولة إعادتها إلى “المكان الذي يناسبهم” لا المكان الذي تستحقه.

وهنا تحديدًا تظهر أبشع أشكال العنف:
العنف الذي لا يترك كدمات على الجسد، بل يحاول كسر الروح.
عنف السخرية،
والتحريض،
والتشويه،
والتشهير،
والتقليل من القيمة،
وكأن المجتمع لا يغفر للمرأة أنها رفعت رأسها عاليًا.

المؤلم أكثر أن النساء العاملات في الشأن العام يُطلب منهن دائمًا أن يكنّ مثاليات.
أن يتحملن الإهانة بصمت،
والتحريض بأدب،
والكراهية بابتسامة،
وأن يثبتن كل يوم أنهن “يستحققن” حقًا طبيعيًا لا يُطلب من الرجل أصلًا أن يبرره.

أي عدالة هذه؟

ولماذا يخاف البعض من امرأة تملك رأيًا؟
لماذا يتحول نجاحها إلى استفزاز؟
ولماذا يصبح حضورها السياسي أو الاجتماعي دعوة مفتوحة للتنمر الجماعي؟

الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها:
المشكلة ليست في النساء…
بل في الذهنية التي تربت على أن المرأة يجب أن تبقى هامشًا.

ولهذا، كل امرأة تكسر هذا الهامش تُهاجم.
ليس لأنها مخطئة دائمًا،
بل لأنها تجرأت أن تكون مرئية.

النساء اللواتي يعملن في الشأن العام لا يحتجن شفقة،
بل يحتاجن بيئة تحترم حق الاختلاف دون انحدار أخلاقي،
وتفهم أن النقد لا يعني الإهانة،
وأن الرجولة لا تُقاس بكمية السخرية من النساء على وسائل التواصل.

أما أولئك الذين يحولون الفضاء الأزرق إلى ساحة لإعدام الشخصيات،
فهم لا يدافعون عن قضية،
بل يكشفون هشاشتهم أمام أي امرأة ترفض أن تكون نسخة مطيعة من الصورة التي رسموها لها.

وفي النهاية…
التاريخ لا يتذكر الذين كانوا يكتبون التعليقات الساخرة،
بل يتذكر النساء اللواتي وقفن رغم كل شيء،
وتكلمن رغم الضجيج،
وأكملن الطريق رغم محاولات الكسر اليومية.

لأن المرأة التي تعرف قيمتها…
لا تهزمها جموعٌ اعتادت أن تعيش على رجم المختلفين.

قد يعجبك ايضا