في نقد الاداء الذاتي.. حتى لا تكون الشهادة على التجربة غير رصينة.

فاضل ميراني*

٢-٢
ارجو انني لا استبق ظهور نتائج التفاعل( والنتيجة متأزمة) بين فريقين فكريين، فريق يتكلم عمّا يجب ان تكون عليه سلطة الحكم ضمن المحددات الدستورية، و فريق مرتبك الاداء يرى و يعمل وفق ردود الافعال و يرى ان ثمة قوى مؤثرة، هي عنده اهم من الشرعية حتى وان كان هو يستند لوجوده بتلك الشرعية.
ثمة دول محكومة على يبدو و ثبت بتبعة الخطأ التأسيسي، و اخرى محكومة بفرض امزجة خاصة تستحيل لاحقا الى دستور عمل شفاهي موازٍ لمرجعية الدستور.
هذا ايضا استكمال للعنوان.
فالنقد ليس لوما او تبيان عيوب للتجريح، انما هو مقارنة و فحص توافق المُنتَج مع مُصنعاته الفكرية او السياسية لتقييم ما تم تقديمه من اداء.
لو اخذنا التوثيق الاعلامي، توثيق الجهة الحاكمة سابقا لنفسها( راجعوا ارشيف المطبوعات من جرائد و مجلات لفترة الحكم الشمولي- وهذا لا يعني ان تلك الممارسة انتهت مع نيسان ٢٠٠٣) و اقرأوا العناوين و تفصيلاتها، و تكرارها، ستجدون خطابا احاديا، تعبويا، واضح فيه فرض الرأي الذي تفصّل عليه كلمات من ألفاظ و معان عن الزعامة الاستنائية، و الالهام الغيبي، استحضار للتاريخ القديم، و تقديم الحاكم المحيط بكل احتياجات مجتمعه، الذي يمثل قوة تفوق الدستور و القانون لانه يرى ما لا يراه شعبه و لا غير شعبه من شعوب و حكومات.
لا غرابة في ذلك، فهذه من مخرجات اي نظام لا يفصل بين السلطات، ولذا تجد الدعاية تقدمه بكل التفصيلات، محصنا من كل عيب و نقص، يختصر افضل انموذج في كل جانب من الشخصيات المتنوعة، فهو الفلاح المحيي للارض، اذا تطلب الامر، و هو القائد العسكري الذي يضع خطط المعارك و الحروب، وهو العالم و المعّلم، و هو الذي يقال بحقه شعر المديح و الاطراء، بمعنى آخر هو صورة مصنعة من المُخلّص.
مثل هذا الحاكم، سيختصر السلطة عنده، خاصة انها سلطة تمزج بين الحزبي و التشريعي و التنفيذي، ومثل هذا المثال يصعب التوقع منه ان يواجه نفسه و شرعيته بالمراجعة و الارتباط بواقع غير الواقع الذي يريده هو.
ايضا و حتى لا يفهم او يقال اننا نختصر صلاحنا بنقد السلطة لنثبت تقصيرها و ايفائنا بالمطلوب، فقد تعاملنا سياسيا مباشرة و غير مباشر، لوضع بقع الضوء على المساحات التي تخالف فيها الدعاية الموجهة من السلطة للشعب الواقع المعاش.
فلما يتم تسفير عراقيين بحجة انتماء لدولة اجنبية وتسقط عنهم اوراقهم الثبوتية فذلك امر يخالف القانون السليم الذي يمنع جعل الانسان مجردا من عائدية، فيصبح مجهولا، لان المواطنة لا تثبت قانونا بالشهادة او القول، بل بالوثيقة المكتوبة.
ولما يتم اعتقال و محاكمة و سجن و اعدام مخالف للتوجه السياسي، فذلك قانون ليس فقط ليس عادلا، بل مضر بالدعاية الرسمية مكذبا لها، كذلك الامر مع الرجوع على المستقلين و اعتقالهم و فصلهم و اعدامهم لقرابة دم مع من وضعته السلطة بقوانينها تحت طائلة انه مطلوب لها.
غير هذا كله، الاضرار بمصالح الدولة، و افتعال الحروب، و انخفاض معدلات الحريات التي هي اساسا منخفضة، و توجيه الاقتصاد ليكون عربة تحمل و توزع الثروات على علاقات اسنادية تخادمية سياسية خاصة لا بعائد عام مفيد، امور تعكس صعوبة التعامل مع المثال الحاكم.
خذوا في اعتباركم مثالين حاضرين، هما : ٤٥٠٠ قرية في كوردستان جرى تخريبها، مع عدد لا يحصر من الالغام.
تخريب القرى، جريمة بحق الانسان و الطبيعة و الاقتصاد و المناخ، مضاف لذلك زرع الموت الخفي بألغام مجهولة الخرائط.
في مقابل ما تقدم( لم نقدم او نعرض كل شيء) كان علينا من الواجبات من تنوء به الجبال، واولها ان نُفوّت على العقل الحاكم النجاحَ بجلب كارثة الصراع القومي، و هذا يسجل لنا.
ان نضبط تنظيم مصالح مناطقنا، و توفير الخدمات و البدائل، تحت ضغوط متعددة، داخلية و اقليمية.
ان نثبت مقدرتنا على اجراء انتخابات و تأسيس برلمان و تشكيل حكومة.
ان نحل بموقعنا الحقيقي و ان نبعد المفاهيم ذات العدوى الفكرية عن العودة للتحكم بالمصالح العامة.
ومع هذا فنحن لم و لن ننزه عملنا من الخطأ.
عندما اكتب هذا فأني ادعو كل صاحب وثيقة، و قلم محايد، ان يفرزوا وقتا و جهدا، لكتابة ما يمكن ان يسهموا به لإضافة ارشيف يقوم على الوقائع و الحقائق التي غطى عليها المزاج و غطت عليها تبدلات الاحوال السياسية و الانشغالات بالمستجدات و ظروف العيش، حتى لا تضيع من ايدينا خيوط حقيقية نسجت مرحلة مهمة في حياة شعبنا و العراق.
ان الدعوة لهذا التوثيق العلمي المحايد، لن تترك مجالا لصنوف من المشككين لا تخلو منهم الحياة، مشكك متعمد عدوا ام خصما، منافسا، و مشكك مادته شهادات سماعية و ترديد دعائي مضاد.

*مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي
للحزب الديمقراطي الكوردستاني.

قد يعجبك ايضا