إشكالية الدستورية في المراحل الانتقالية

د.إبراهيم الشرفاني

المقدمة

تشكل المراحل الانتقالية لحظات مفصلية تتقاطع فيها ديناميات الانهيار وإعادة البناء؛ فهي لا تُختزل في كونها عبوراً زمنياً، بل تمثل اختباراً وجودياً للدولة، حيث يتواجه النص بوصفه وعدًا مع الواقع بوصفه قيدًا.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية الدستورية باعتبارها سؤالاً يتجاوز البعد الإجرائي لعملية التأسيس القانوني، ليطرح إمكانية تحوّل النص الدستوري إلى عقل مؤسسي قادر على تحويل المبادئ المجرّدة إلى ممارسات عملية، والقيم المعلنة إلى انتظامات اجتماعية وسياسية فعّالة.
وتُظهر التجربة العراقية بعد عام 2005 هذه الإشكالية بوضوح؛ إذ أُنتج دستور جديد في سياق انتقالي، غير أنّه واجه عوائق مؤسسية وثقافية وسياسية حالت دون ترسيخ الدستورية الفعلية.

أولاً: الإطار المفاهيمي للدستورية
يُعرّف الدستور بوصفه الوثيقة القانونية العليا التي تحدد هندسة السلطة وتنظم وظائفها، غير أنه يظل نصاً معيارياً مشروطاً بآليات التفعيل التاريخي والاجتماعي.
أما الدستورية، فهي ليست مجرد التزام شكلي بالنص، بل نسق متكامل من القيم والممارسات التي تحوّل الدستور إلى ممارسة حاكمة، تقوم على سيادة القانون، وتوازن السلطات، وضمان الحقوق والحريات.
يمكن التمييز هنا بين: الدستورية الشكلية التي تتمثل في الالتزام بالنصوص والإجراءات، والدستورية الجوهرية تتحسد في تحويل النص إلى ممارسة حية متجذرة في الواقع.
وفي غياب هذا التفعيل يحوّل الدستور إلى خطاب رمزي فاقد للفاعلية، ويكشف عن مستوى نضج الدولة الحديثة.

ثانياً: المراحل الانتقالية وصراع القديم والجديد
المرحلة الانتقالية هي سيرورة لإعادة إنتاج السلطة في لحظة اهتزازها، حيث يغيب الاستقرار المؤسسي لصالح حالة من السيولة السياسية. ومن منظور غرامشي، فإن انهيار النظام لا يحدث كقطيعة فجائية، بل كتحول تدريجي يسمح للبنى القديمة بإعادة إنتاج هيمنتها داخل أشكال جديدة، بما يبقي روح القديم متغلغلة في قوالب الجديد.
هنا تنشأ ظاهرة الولادة المشوّهة للدستور، حيث يُنتج النص الدستوري في سياق مثقل بإرث النظام السابق، ما يجعله محاصراً ببنى مقاومة للتغيير. في الحالة العراقية، حمل الدستور الجديد شرعية تأسيسية، لكنه ظل يعمل داخل بيئة سياسية واجتماعية غير مستقرة، حيث بقيت شرعية الأمر الواقع أقوى من شرعية النص.

ثالثاً: عوائق ترسخ الدستورية
تواجه الدستورية في السياقات الانتقالية مجموعة من العوائق البنيوية، يمكن تقسيمها:
أ. عوائق داخلية:
1. إعادة إنتاج البنى التقليدية: استمرار شبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة الناشئة.
2. هشاشة البنية المؤسسية: ضعف المؤسسات يجعل الدستور نصاً رمزياً محدود الأثر.
3. أزمة النخب السياسية والفكرية: تشتت النخب أو ارتهانها للمصالح يعطل بلورة مشروع دستوري متماسك.
4. جمود الثقافة السياسية: استمرار أنماط الوعي السلطوي يضعف ترسيخ المواطنة وسيادة القانون.

ب. عوائق خارجية:
1. التدخلات الدولية والإقليمية: إعادة تشكيل مسار الانتقال بما يتجاوز الإرادة الداخلية.
2. فرض توازنات خارجية على النص الدستوري، كما حدث في العراق تحت تأثير الاحتلال الأميركي والضغوط الإقليمية.
وقد تجلت هذه العوائق في العراق بعد 2005، حيث ساهمت المحاصصة الطائفية والولاءات الحزبية في إضعاف الدستورية الفعلية.

رابعاً: شروط بناء الدستورية الفعّالة
يتطلب تجاوز مأزق الدستورية إعادة هندسة العلاقة بين النص والواقع عبر جملة من الشروط:
1. ترسيخ العقلانية المؤسساتية: بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والفعالية.
2. التحول الثقافي العميق: إعادة تشكيل الوعي السياسي على أساس المواطنة وسيادة القانون، بما يجعل القانون “إيمانًا جمعيًا” لا مجرد نصًا مكتوبًا.
3. إعادة إنتاج النخب: بلورة نخب جديدة ذات وعي دستوري حديث وقادرة على قيادة التحول.
4. سيادة القانون: تحويله إلى منطق ناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، بما يحقق الشرعية الجوهرية.
5. الشرعية التوافقية: ضمان أن يكون الدستور ثمرة توافق واسع، لا مجرد فرض من نخبة أو قوة خارجية.
6. إدارة التفاعل مع الخارج: تحقيق توازن بين الانفتاح الدولي وصون القرار السيادي.

الخاتمة
إن الدستورية في المراحل الانتقالية ليست حالة قانونية مكتملة، بل سيرورة تاريخية مفتوحة تتداخل فيها البنى السياسية والاجتماعية والثقافية في حركة جدلية معقدة. فالدستور، مهما بلغ من الإحكام، لا يكتسب فعاليته إلا حين يتحول إلى ممارسة مؤسسية متجذرة في الواقع.

وتكشف الحالة العراقية بعد 2005 أن النص الدستوري، دون بيئة مؤسسية وثقافية حاضنة، يبقى معلقًا بين طموح التأسيس وحدود الواقع السياسي. ومن هذا المنظور يمكن استخلاص النتائج التالية:
1. الدستور دون دستورية فعلية يتحول إلى رمز بلا أثر تاريخي.
2. النخب السياسية عنصر حاسم في مسار الانتقال بين الترسخ وإعادة إنتاج الأزمة.
3. الثقافة السياسية شرط بنيوي لنجاح المشروع الدستوري.
4. المرحلة الانتقالية فضاء صراع أكثر من كونها مساراً خطياً للاستقرار.
5. الحالة العراقية تؤكد أن النص الدستوري وحده لا يكفي دون بنية مؤسسية وثقافية داعمة.

ويبقى الدستورُ وعداً مؤجَّلاً، حتى يرسخَ في وعيِ الأمة، فيغدو عقلاً مؤسِّساً يزنُ السلطةَ بميزانِ القانون.

قد يعجبك ايضا