مصطفى عبدالكريم قایتەوەني
منذ تأسيس الدولة العراقية في العهد الملكي، مروراً بالحكم الجمهوري ثم سلطة حزب البعث، وصولاً إلى سقوط نظام صدام حسين عام 2003، بقي الشعب الكوردستاني والثورة الكوردية جزءاً أساسياً من مشروع بناء عراق ديمقراطي تعددي، يقوم على مبدأ الشراكة والاعتراف بالحقوق القومية والدستورية.
لقد حملت ثورة أيلول شعار الحكم الذاتي والاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكوردي، إلى أن جاءت اتفاقية 11 آذار 1970 التي شكّلت تحولاً تاريخياً في العلاقة بين بغداد وكوردستان، وأقرت لأول مرة بصورة رسمية جزءاً كبيراً من الحقوق القومية للكورد بعد عقود من الإنكار والإقصاء.
لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلاً، إذ جاءت اتفاقية الجزائر عام 1975 لتغيّر موازين القوى الإقليمية، حيث دخل العامل الاستخباراتي والإقليمي بقوة على خط القضية الكوردية. فقد كانت كوردستان آنذاك جزءاً من صراع النفوذ بين بغداد وطهران وواشنطن، وأدى التفاهم العراقي الإيراني برعاية دولية إلى إنهاء الدعم الخارجي للثورة الكوردية، ما تسبب بانهيار عسكري وسياسي كبير. ومنذ ذلك الوقت دفعت العراق وكوردستان معاً ثمن سياسات المركزية والصراعات الإقليمية التي استخدمت الملف الكوردي كورقة ضغط استراتيجية.
ومع سقوط نظام صدام حسين عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة، إلا أن الدولة العراقية لم تتمكن حتى اليوم من بناء نظام سياسي مستقر أمنياً واقتصادياً، بسبب استمرار عقلية المركز وهيمنة الصراع على السلطة والنفوذ، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية المتشابكة.
وفي الجانب الاستخباراتي، أصبح العراق بعد 2003 ساحة تنافس مفتوحة بين أجهزة ومصالح دولية وإقليمية؛ الولايات المتحدة، إيران، تركيا، ودول الخليج، جميعها تنظر إلى بغداد باعتبارها عقدة توازن في الشرق الأوسط.
وفي هذا المشهد المعقد، تحولت كوردستان إلى لاعب مهم في معادلات الأمن والطاقة والتوازن الإقليمي، خصوصاً بسبب موقعها الجغرافي وحدودها مع إيران وتركيا وسوريا.
واليوم، نرى بوضوح أن زيارات القيادة الكوردستانية إلى بغداد تحمل أبعاداً تتجاوز الملفات الإدارية والمالية التقليدية. فزيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ثم زيارة رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، وما رافقهما من اجتماعات مكثفة مع مختلف القوى السياسية العراقية، تعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي والاستراتيجي داخل العراق والمنطقة.
إن استقبال القوى الشيعية والسنية لمسرور بارزاني بهذا الشكل اللافت، يشير إلى إدراك متزايد داخل بغداد بأن العلاقة مع أربيل لم تعد مجرد ملف داخلي، بل أصبحت جزءاً من معادلة الاستقرار الوطني والأمن الإقليمي. فالعراق يواجه اليوم تحديات خطيرة؛ تصاعد التوتر الأميركي الإيراني، التنافس التركي الإيراني داخل الأراضي العراقية، نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود، التحولات في ملف الطاقة وخطوط التصدير، التغيرات الجيوسياسية بعد حرب غزة والتوترات في سوريا.كل هذه العوامل تجعل من التنسيق بين بغداد وأربيل ضرورة استراتيجية، وليس خياراً سياسياً مؤقتاً.
ومن الناحية الاستخباراتية، تدرك مراكز القرار في المنطقة أن إقليم كوردستان يمتلك موقعاً حساساً في منظومة الأمن الإقليمي، سواء في ملف مكافحة الإرهاب، أو مراقبة التحركات المسلحة، أو حماية المصالح الاقتصادية وخطوط الطاقة. ولهذا فإن الانفتاح الإقليمي على أربيل خلال السنوات الأخيرة لم يكن حدثاً بروتوكولياً فقط، بل يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الدور الكوردستاني في مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
لقد ورث مسرور بارزاني من المدرسة السياسية الكوردستانية نهج الواقعية السياسية، وفهم توازنات القوى، والقدرة على بناء علاقات متوازنة مع واشنطن وأنقرة ودول الخليج وبغداد في آن واحد، وهي سياسة تهدف إلى حماية استقرار كوردستان ومنع تحويلها إلى ساحة صراع مباشر بين القوى المتنافسة، وفي المستقبل القريب، يبدو أن العراق وكوردستان مقبلان على تحولات كبيرة، سواء على مستوى الاقتصاد والطاقة أو على مستوى الأمن والتحالفات السياسية. ولذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى عقلية منفتحة، وإدارة استراتيجية بعيدة عن الخطابات التقليدية، تقوم على مبدأ الشراكة الحقيقية وفهم المتغيرات الإقليمية.
إن زيارة مسرور بارزاني رئيس الوزراء كوردستان إلى بغداد، بعد تحركاته الإقليمية نحو تركيا ودول الخليج، قد تمثل بداية رسم ملامح عمق استراتيجي جديد لكوردستان داخل المعادلة العراقية والإقليمية، عنوانه الاستقرار عبر الشراكة، لا عبر الصراع.