مسرور بارزاني في بغداد… السياسة بلغة الإنجاز لا الخلاف

صبحي مندلاوي

لم تكن زيارة السيد مسرور بارزاني إلى بغداد هذه المرة زيارةً اعتيادية تُضاف إلى سجل اللقاءات الرسمية بين أربيل وبغداد بل جاءت محمّلة برسائل سياسية عميقة ودلالات قد تعيد رسم شكل العلاقة بين الجانبين في المرحلة المقبلة.
فما جرى في بغداد لم يكن مجرد نقاش حول الملفات العالقة والخلافات التقليدية المتجددة بين حين وآخر، بل بدا وكأنه محاولة جادة للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة البحث عن الشراكة والتكامل والتعاون.
لقاء السيد مسرور بارزاني مع رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي حمل في مضمونه الكثير من المؤشرات المهمة فعلى الرغم من الطابع الرسمي للقاء، إلا أن مضمونه كشف عن رؤية مختلفة لدى الحكومة الاتحادية الجديدة خصوصاً وأن الزيدي يضع الملف الاقتصادي والخدمي في مقدمة أولوياته.
ومن هنا جاء طلبه بالاستفادة من تجربة إقليم كوردستان ونقل نماذج النجاح التي تحققت في أربيل إلى بغداد وبقية المدن العراقية ولا سيما في قطاعات الكهرباء والمياه والبنى التحتية والخدمات.
هذا الطرح لم يكن تفصيلاً عابرا بل يعكس تحوّلاً مهماً في النظرة إلى تجربة الإقليم بعد سنوات طويلة كانت العلاقة خلالها تُدار غالباً بعقلية الخلاف والضغوط السياسية والمالية من جهته رحّب السيد مسرور بارزاني بهذا التوجه مؤكداً استعداد حكومة الإقليم للتعاون ونقل خبراتها بما يخدم جميع العراقيين.
ولعل اللافت أن هذا التوجه لم يأتِ من بغداد وحدها بل سبقته مؤشرات مماثلة من محافظات عراقية أخرى فخلال زيارته الأخيرة إلى أربيل، أعلن محافظ النجف عن رغبة مدينته في الاستفادة من تجربة حكومة الإقليم خصوصاً في ملفات المياه والطرق الحلقية والبنى التحتية، وهي ملفات استطاعت حكومة الإقليم تحقيق نجاحات واضحة فيها رغم التحديات السياسية والاقتصادية الكبيرة.
إن طلب بغداد ومحافظات الوسط والجنوب الاستفادة من تجربة أربيل يمثل بحد ذاته نقلة نوعية في طبيعة العلاقة بين الطرفين ورسالة واضحة بأن لغة الإنجاز بدأت تفرض نفسها على حساب لغة الصراع وربما يشكل ذلك مفتاحاً مهماً لمعالجة كثير من الملفات العالقة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية للانتقال نحو سياسة قائمة على التعاون بدل المواجهة.
وخلال زيارته – أيضاً- التقى السيد مسرور بارزاني بعدد كبير من القادة السياسيين حتى أولئك الذين كانت لهم مواقف متشددة تجاه أربيل في مراحل سابقة ويبدو أن الجميع بات يدرك أن سياسة الضغط والتصعيد لم تعد مجدية وأن العلاقة مع إقليم كوردستان لا يمكن أن تُبنى إلا على أساس الشراكة والاحترام المتبادل.
أما اللقاء الذي جمع رئيس حكومة الإقليم بعدد من شيوخ ورؤساء عشائر الوسط والجنوب فقد حمل هو الآخر رسائل اجتماعية وسياسية بالغة الأهمية إذ جدد الجانبان التأكيد على عمق العلاقات التاريخية التي جمعت القيادة البارزانية بالعشائر العراقية بمختلف مكوناتها عبر العقود الماضية فيما كانت الهدية الرمزية التي قدمها رؤساء العشائر وهي بندقية “برنو” يتجاوز عمرها المئة عام، تعبيراً واضحاً عن الاحترام والتقدير للقيادة البارزانية واستذكاراً لعلاقات تاريخية راسخة لم تنقطع رغم التحولات السياسية.

إن زيارة السيد مسرور بارزاني إلى بغداد بما تضمنته من لقاءات سياسية وعشائرية واسعة قد تفتح بالفعل صفحة جديدة في العلاقة بين بغداد وأربيل وتؤسس لمرحلة مختلفة عنوانها التعاون وتبادل الخبرات والمصالح المشتركة بعيداً عن سياسات التأزيم والتصعيد.
غير أن نجاح هذه المرحلة سيبقى مرهوناً بمدى التزام الأطراف السياسية في بغداد بما تم الاتفاق عليه وطرحه خلال هذه الزيارة لأن ما يخدم أربيل وبغداد معاً يصب في النهاية في مصلحة جميع العراقيين.

قد يعجبك ايضا