العراق بين اقتصاد الريع وتحديات الإنتاج

محمود محمد الصميدعي

يعيش العراق مفارقة اقتصادية واضحة: ثروة كبيرة مقابل إنتاج ضعيف. فالدولة التي تُعد من أكبر الدول النفطية في المنطقة ما تزال تعتمد بشكل شبه كامل على العوائد النفطية مقابل تراجع مستمر في الزراعة والصناعة ما خلق نموذجًا اقتصاديًا غير متوازن وأكثر عرضة للأزمات.

وتشير البيانات الحكومية إلى أن الموازنة العراقية تعتمد بنسبة تتجاوز 80% على الإيرادات النفطية في حين لا تزال مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي محدودة قياسًا بحجم الموارد المتاحة. وهذا الاعتماد المفرط على مورد واحد جعل المالية العامة مرتبطة مباشرة بتقلبات أسعار النفط العالمية.

لقد خلق الريع النفطي نموذجًا سهلًا في الإيراد لكنه ضعيف في الاستدامة. فبدل أن تتحول العوائد إلى قاعدة لبناء قطاعات منتجة جرى توجيه جزء كبير منها نحو الإنفاق الاستهلاكي والتشغيلي ما عمّق الفجوة بين الإمكانات الاقتصادية والواقع التنموي.

ورغم امتلاك العراق مقومات حقيقية للنهوض الإنتاجي من أراضٍ زراعية خصبة تمتد على ضفاف دجلة والفرات إلى ثروات معدنية وموارد بشرية واسعة إلا أن هذه الإمكانات لم تُستثمر بالشكل الذي يحقق قيمة مضافة حقيقية. فالمشكلة لم تكن يومًا في نقص الموارد بل في غياب الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد وضعف الإدارة الفعّالة.

كما أن التحول نحو الإنتاج يواجه عقبات بنيوية معقدة أبرزها ضعف البنية التحتية وأزمة الطاقة والمنافسة غير المتكافئة مع السلع المستوردة إضافة إلى التحديات الإدارية والبيروقراطية التي أعاقت نمو القطاعات المنتجة لسنوات طويلة.

النموذج الريعي لا يبني دولة قوية بل يجعلها أكثر ارتباطًا بتقلبات السوق الخارجية وأقل قدرة على خلق فرص عمل مستقرة وحقيقية. في المقابل فإن الدول التي تعتمد على الإنتاج الزراعي والصناعي والتكنولوجي تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لأنها تبني قوتها من الداخل لا من مورد أحادي قابل للتذبذب.

إن الانتقال من الريع إلى الإنتاج لم يعد خيارًا مؤجلًا بل ضرورة وطنية واقتصادية عاجلة. ويتطلب ذلك تبني سياسات واضحة تقوم على دعم الزراعة وتحفيز الصناعة الوطنية وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة مع تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز بيئة الاستثمار المحلي.

ويبقى السؤال الجوهري:
هل يمتلك العراق الإرادة الحقيقية للانتقال من اقتصاد ريعي سهل إلى نموذج تنموي مستدام قائم على الإنتاج؟

وفي هذا السياق تبقى الحقيقة الأوضح:

“الاقتصاد الذي لا يُنتج…
يبقى رهينة لما يملكه
لا لما يستطيع أن يصنعه.”

قد يعجبك ايضا