الغباء الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي

علي الحياني

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد الكذب الإعلامي سهلاً كما كان في السابق، لأن أدوات التكنولوجيا الحديثة لم تمنح فقط القدرة على صناعة التضليل، بل منحت أيضاً وسائل أسرع لكشفه وفضحه. فاليوم، يمكن لأي شخص خلال دقائق التحقق من صورة، أو مقطع فيديو، أو حتى تاريخ صناعة منتج استُخدم كدليل في رواية إعلامية معينة.

قبل أيام، انتشر خبر العثور على مقبرة جماعية تضم رفات عدد من المواطنين في صحراء القائم غربي الأنبار، وهو خبر خطير ومؤلم يرتبط بملف المغيبين الذي ما زال مفتوحاً حتى اليوم، لكن اللافت لم يكن خبر المقبرة بحد ذاته، بل السرعة التي حاولت بها بعض الجهات الإعلامية توجيه الاتهام نحو النظام السابق، قبل ظهور أي نتائج رسمية أو تحقيقات مهنية.

إعلامي يعمل في قناة فضائية مرتبطة بحزب إسلامي متنفذ خرج ليتحدث بثقة عن أن المقبرة تعود إلى حقبة البعث، مستنداً إلى “دليل” وصفه بالحاسم، وهو العثور على “قوطية بيرة” قال إنها كانت تُستخدم من قبل جلادي النظام السابق للاحتفال بضحاياهم، لكن المفارقة أن هذا “الدليل” سقط بسرعة، لأن مجرد بحث بسيط عبر الإنترنت أو باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يكشف أن نوع العلبة يعود إلى سنوات قريبة، وليس إلى فترة حكم البعث.

وهنا تتجلى مفارقة هذا العصر، فكما يستخدم البعض التكنولوجيا لصناعة الروايات المضللة، بات الجمهور أيضاً يمتلك أدوات لكشف التلاعب والتدقيق في التفاصيل الصغيرة التي كانت تمر سابقاً دون انتباه، لذلك لم يعد من السهل تمرير القصص المفبركة أو الأدلة الهشة كما كان يحدث في الماضي.

المشكلة الحقيقية ليست في خطأ إعلامي عابر، بل في وجود نية مبيتة لتوجيه الرأي العام نحو رواية محددة، بهدف إبعاد الشبهات عن الجرائم التي وقعت بعد عام 2003، خصوصاً ما يتعلق بملف المغيبين من أبناء المكون السني، فبدلاً من انتظار التحقيقات وكشف الحقيقة، يسارع البعض إلى صناعة رواية سياسية جاهزة وتقديمها للناس وكأنها حقيقة نهائية.

وفي زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد التضليل يعتمد فقط على الصراخ الإعلامي أو الخطابات العاطفية، بل أصبح يُختبر أمام جمهور قادر على البحث والتحقق وكشف التناقضات خلال دقائق، لذلك فإن أي وسيلة إعلام تحاول تزييف الحقائق أو تضليل الناس بأدلة ضعيفة، لا تكشف فقط عن انحيازها السياسي، بل تكشف أيضاً عن استهانتها بعقول الجمهور.

العراق اليوم لا يحتاج إلى إعلام يختلق الروايات لحماية هذه الجهة أو تلك، بل يحتاج إلى إعلام مهني يفهم أن الحقيقة أصبحت قابلة للتحقق أكثر من أي وقت مضى، وأن زمن تمرير الأكاذيب بسهولة بدأ ينتهي، حتى في أكثر الملفات حساسية وتعقيداً.

قد يعجبك ايضا