عرفان الداوودي
في كلِّ مرحلةٍ يمرُّ بها العراق، يظهر جيشٌ من المصفقين والهتيفة والراقصين على موائد السلطة، لا مبدأ لهم، ولا كرامة، ولا موقف ثابت.
وجوهٌ تتبدل أسرع من تبدّل الحكومات، وألسنةٌ تتلوّن حسب اتجاه الريح، فإذا جلس المسؤول على الكرسي قالوا عنه: “القائد الضرورة”، و”المنقذ”، و”حامي الوطن”، هيبة . وشيخ ، قائد العروبة ، وسيف العرب ،وراحوا يهوسون ويصرخون:
“بالروح بالدم نفديك يا…!”
لكن ما إن يُقال المسؤول أو يسقط أو تُسحب منه السلطة، حتى يتحول نفس المصفقين إلى أعداء له، يلعنونه صباح مساء، وكأنهم لم يكونوا قبل أيام يرقصون تحت أقدامه ويمسحون أكتافه ويبحثون عن فتات موائده.
هذه ليست سياسة… بل سوق نخاسة للضمائر.
وليس أخطر على العراق من هذا النوع من البشر الذين باعوا الكرامة مقابل منفعة، وباعوا الحقيقة مقابل منصب أو عقد أو صورة أو حفنة دولارات.
التملق أصبح وباءً ينهش الدولة والمجتمع.
المتملق لا يبني وطناً، بل يهدمه بصمت.
يزيّف الحقائق، ويجمّل الفشل، ويصفق للفاسد، ويطعن الشريف، ويحوّل الحاكم إلى صنم لا يُنتقد.
ولهذا سقطت هيبة المؤسسات، وضاعت حقوق الناس، وانتشرت الرداءة في كل مفاصل الدولة.
المصيبة أن بعض هؤلاء لا يؤمنون بشيء أصلاً؛
لا وطن… لا قضية… لا أخلاق…
هم مع القوي فقط، ومع المال فقط، ومع الكرسي فقط.
فإذا تغيّرت الوجوه، غيّروا هتافاتهم، وبدّلوا جلودهم كالحرباء.
العراق لم يتعب من الحروب فقط، بل تعب من المنافقين أيضاً.
تعب من أولئك الذين جعلوا من أنفسهم طبولاً لكل حاكم، وأبواقاً لكل فاسد، وسماسرةً لكل مرحلة.
إلى متى يبقى الشريف صامتاً، بينما الضجيج للمرتزقة؟
إلى متى يبقى الوطن رهينة الهتيفة والانتهازيين؟
إلى متى تُباع الكرامة في مزاد التملق الرخيص؟
إن الأمم لا تسقط بسبب الفقر وحده، بل تسقط حين يصبح المنافق بطلاً، والمتملق “إعلامياً”، والراقص على الدم “وطنياً”.
سيبقى العراق ينزف ما دام فيه من يقدّس الكرسي أكثر من الوطن، ومن يصفق للحاكم أكثر مما يحترم الشعب.
فالعار ليس على الحاكم وحده…
بل على كل من باع ضميره وصفق له وهو يعرف الحقيقة.