نيجيرفان بارزاني.. كاريزما الهدوء في زمن الصراعات

ياسين الحديدي

يُعدّ نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان منذ عام 2019، من أقلّ السياسيين الكورد إثارةً للجدل خارج حدود الإقليم. فالكاريزما التي يتمتع بها لا تقوم على الخطابات الصاخبة، بل على الهدوء العملي، والدبلوماسية المرنة، والقدرة على التفاوض مع مختلف الأطراف المتناقضة.

ويُوصف نيجيرفان بارزاني بأنه سياسي محنّك، استطاع إدارة الأزمات بحكمة وصراحة وجرأة، مع إيمانه بوحدة العراق وعدم التفريط بحقوق كردستان وفق الدستور، بعيداً عن التصعيد أو التجاوز.

فقد قاد ملف العلاقة مع بغداد بعد استفتاء عام 2017 بأقل الخسائر الممكنة، وفتح قنوات حوار مع حكومتي مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني بعيداً عن لغة التوتر. كما نجح في الحفاظ على توازن إقليمي دقيق عبر بناء علاقات متوازنة مع تركيا وإيران والولايات المتحدة في آنٍ واحد، وهو أمر بالغ الصعوبة في منطقة شديدة التعقيد والتشابك الجغرافي والسياسي.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد ساهم في تحويل أربيل من مدينة عانت الدمار خلال تسعينيات القرن الماضي إلى مركز مهم للاستثمار والطيران والأعمال. ويُعدّ مشروع “مطار أربيل الدولي” ومشروع “المدينة الذكية” من أبرز بصماته خلال فترة رئاسته لحكومة الإقليم بين عامي 2012 و2019.

داخلياً، يُنظر إليه بوصفه “رجل تسويات” داخل البيت الكردي، وأكثر هدوءاً وأقل حدّة من بعض السياسيين، إذ يتميّز بقدرته على استيعاب الأزمات الطارئة بصبر ورويّة بعيداً عن التشنج والتسرع، ما جعله الأقرب إلى الشارع.

وعربياً، يحظى بقبول واحترام في الوسط السياسي العراقي السني والشيعي، وقد زار بغداد مرات عديدة دون بروتوكولات متشنجة، كما يتحدث اللغة العربية بطلاقة واعتزاز.

أما دولياً، فتربطه علاقات قوية مع واشنطن ولندن وأنقرة، وقد وصفه معهد كارنيغي بأنه “الوجه الكردي المقبول غربياً”، لأنه يبتعد عن الخطاب القومي الحاد ويميل إلى الواقعية السياسية.

وقد تناولت شخصيته وأسلوبه السياسي العديد من الدراسات والمقالات؛ إذ وصفه الكاتب الدكتور علي الصراف في جريدة العرب اللندنية بأنه “السياسي الكردي الوحيد الذي يجلس مع الجميع”. كما حلّل الباحث الراحل هشام الهاشمي، في مركز الرافدين للحوار عام 2020، دوره كوسيط بين بغداد وأربيل.

وفي تقرير لمعهد تشاتام هاوس البريطاني عام 2022، وُصف بأنه “المهندس الصامت للاستقرار الكردي”، بينما تناول الدكتور واثق الهاشمي، عبر سلسلة مقابلات على قناة العراقية عام 2021، دوره في إدارة ملف النفط مع بغداد.

كما أشارت مجلة فورين بوليسي في مقال عام 2018 إلى حضوره السياسي المتصاعد، في حين وصفه الرئيس الراحل مسعود بارزاني في مذكراته “كردستان والعراق” عام 2016 بأنه “رجل الدولة الذي يفكر بعقلية الاقتصاد قبل السياسة”.

ويمثل نيجيرفان بارزاني جيلاً كردياً جديداً بعد عام 2003؛ جيلاً أقل أيديولوجية وأكثر واقعية، وأقرب إلى نموذج “رجل الدولة” منه إلى “الزعيم القومي”، وهو ما يفسّر حجم القبول الذي يحظى به عربياً، لأنه يتحدث بلغة المصالح والمشاريع أكثر من لغة الشعارات.

وتذهب أغلب الكتابات والتحليلات التي تناولته إلى زاوية “الواقعية السياسية” بعيداً عن التمجيد أو الهجوم. فقد وصفته جريدة الزمان عام 2023 في مقال بعنوان: “نيجيرفان بارزاني.. صناعة السلام في قلب العاصفة” بأنه “كاريزما الهدوء”، مؤكدة أنه لا يعتمد على الخطاب المرتفع، بل على لغة واقعية متزنة، مع تركيزه على تعزيز مفهوم الشراكة الوطنية مع بغداد حتى في أوقات التوتر، وتقديم الاستقرار على الحسابات الضيقة.

كما اعتُبر حضوره في منتدى أنطاليا الدبلوماسي مؤشراً على تحوّله من ممثل لإقليم كردستان إلى شخصية سياسية إقليمية يُحسب لها حساب.

وفي مقال آخر بعنوان: “نيجيرفان بارزاني.. هندسة السلام في جغرافيا الصراع”، نشرت جريدة الزمان عام 2022 تحليلاً لفلسفته السياسية التي تقوم على أن السلام شرطٌ للتنمية وليس نتيجةً لها، مع تأكيده مبدأ “الربح المشترك” في العلاقة بين أربيل وبغداد، أي أن نجاح أربيل هو نجاح للعراق، والعكس صحيح.

كما ناقش المقال دوره في ترسيخ التعايش بين مكونات كردستان، والعمل على إعادة النازحين بوصف ذلك أساساً لتحقيق العدالة الاجتماعية.

إن نيجيرفان بارزاني يقدّم نموذجاً لرجل الدولة البراغماتي، الساعي إلى بناء حالة من الاستقرار داخل عراق يعيش أزمات مجتمعية وسياسية وقومية وطائفية متشابكة، وهو ما يجعل الكثيرين يرون في تجربته نموذجاً يستحق التقدير.

قد يعجبك ايضا