عمر خوشناو
في زمن تتدفق فيه الأخبار والصور والمقاطع الفيديو ونشرات إخبارية عن طريق وسائل الإعلام التقليدية و شبكات التواصل الاجتماعي بلا توقف، لم يعد الخطرحاليا دائماً فيما نأكله أو نشربه أو نتنفسه او حتى الجيوش و الصواريخ، بل فيما نسمعه ونراه كل يوم دون أن ننتبه او ملاحظة ذلك.
اليوم فالسموم والأسلحة لم تعد مادية فقط، بل أصبحت رقمية ونفسية ومعرفية، تتسلل إلى العقول كما تتسلل المواد السامة إلى الأجساد.
عرف الإنسان السموم منذ بداياته، من خلال الطبيعة مثل نباتات قاتلة، حيوانات سامة و مواد كيميائية، ثم لاحقاً غازات وأسلحة كيميائية و بايلوجيا. وكان التسمم يُفهم غالباً في صورتين: الاول هو تسمم جسدي يدخل عبر الطعام أو الشراب أو الحقن، و الثانية هو تسمم تنفسي ينتقل عبر الهواء والغازات السامة. لكن هذا الفهم التقليدي لم يعد كافياً في عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والخوارزميات.
اليوم نواجه نوعاً آخر من السموم او أسلحة: اليوم هناك أسلحة و سموم لا تُرى ولا تُشم، لكنها قد تكون أعمق واحط و هناك أثراً وأوسع انتشاراً. إنها سموم السمع والبصراو تمسى السلاح التظليل او التزيف المعلومات؛ ما نسمعه من كلمات وخطابات، وما نراه من صور ومقاطع ومحتوى من اخبار و منشورات متكررة يعيد تشكيل وعينا ومواقفنا تجاه أنفسنا والآخرين والعالم.
فالكلمة قد تصبح سلاحًا فتاكة و سماً حين تحمل الكراهية والتحريض والتطرف، والصورة قد تتحول إلى أداة للتلاعب بالعواطف وتضخيم المخاوف، والمعلومة قد تُستخدم لإرباك الحقيقة او تنظيفها وبعض حالات إعادة صياغتها عندما تُنزع من سياقها أو تُكرّر حتى تبدو واقعاً. وهنا لا يحدث التأثير دائماً بشكل مباشر، بل يتسلل تدريجياً إلى الذهن، حتى يعيد تشكيل طريقة التفكير دون أن نشعر.
التسمم السمعي لا يقتصر على ما نختار سماعه، بل يشمل أيضاً ما يُفرض علينا من دعاية وخطابات ومحتوى متكرر في المنصات الرقمية من مقاطع فيديوهات او محتويات من تسجيلات صوتية ومع التكرار، تتحول هذه الرسائل إلى جزء من وعينا حيث يصعب على الانسان العادي فصل المعلومات الدقيقة من معلومات مزيفة و تضليلية مما يخلق التسمم البصري، حيث لم تعد الصورة مجرد نقل للواقع، بل أصبحت وسيلة لإعادة صياغته، أحياناً بشكل مضلل أو منحاز من تحقيق أهداف سياسية او عسكرية تستهدف فئة معينة او شعب بأكملها.
وفي حين كان تأثير أسلحة و السموم التقليدية غالباً محصوراً في الفرد، وغالبا أسلحة تكون مكشوفة بعد استخدامها ضد المستهدفين و يمكن تحديد فرز الضحايا و تشخيصهم على خلاف السموم الرقمية تنتقل وتتوسع، لتصيب المجتمع بأكمله دون أن تكون في مقدرة أي جهة تحديد الضحايا و هويتهم، فالأفكار المضللة وخطابات الكراهية لا تبقى عند من يتلقاها، بل تنتشر عبر المشاركة وإعادة النشر، لتخلق دوائر متزايدة من التأثير. وهنا قد يتحول الإنسان من متلقٍ إلى ناقل، دون إدراك أنه يساهم في نشر ما يضره ويضر غيره.
لقد منحت المنصات الرقمية الجميع المشتركين القدرة على التعبير والتأثير، وهذا بحد ذاته تطور مهم، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح معيار الانتشار هو الإثارة لا الحقيقة، وحجم التفاعل لا جودة المحتوى.
فالخوارزميات تميل إلى تضخيم ما يجذب الانتباه، وغالباً ما يكون ذلك المحتوى الأكثر إثارة للخوف أو الغضب أو الانقسام.
ومع مرور الوقت، يجد الإنسان نفسه داخل بيئة معلوماتية محدودة، يرى فيها ما يعزز قناعاته فقط، ويُستبعد منها ما يخالفها. وهنا تتشكل “فقاعات معرفية” تعزل الأفراد عن الواقع الأوسع، وتزيد من حدة الاستقطاب داخل المجتمع.
في هذا السياق، لم تعد التهديدات تقتصر على الصراعات التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى التأثير على الوعي نفسه، فزعزعة المجتمعات لم تعد تحتاج إلى جيوش، بل إلى محتوى موجّه، ومعلومات مضللة، وخطابات تُضعف الثقة وتُغذي الانقسام.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تعني الحد من حرية التعبير، بل تتطلب وعياً أكبر بكيفية التعامل مع ما نسمعه ونراه.
فالحرية دون وعي قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التضليل، والتعدد دون مسؤولية قد يؤدي إلى فوضى معرفية.
لذلك، يصبح الوعي خط الدفاع الأول، و على الفرد أن يتحقق قبل أن يصدق بشكل عمياء و يقوم بإعادة النشر، وأن يفكر قبل أن يشارك، وأن يدرك أن كل ما يمر أمامه ليس بالضرورة حقيقة.
كما أن على المجتمعات أن تعزز ثقافة التفكير النقدي، وأن تطور آليات لمواجهة التضليل دون المساس بحرية الرأي.
في عالم أصبحت فيه المعلومات تتدفق بسرعة غير مسبوقة، قد لا يكون أخطر السموم هو ما نشعر به، بل ما لا نشعر به حتى يصبح جزءاً منا.
فهل ما نستهلكه يومياً من محتوى يوسّع وعينا… أم يعيد تشكيله دون أن ندرك؟