محمد حسن الساعدي
النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 يمثل تجربة معقدة ومتشابكة، إذ انتقل البلد من حكم مركزي استبدادي إلى نظام برلماني اتحادي يقوم على دستور 2005، وأن هذا الدستور وضع أسس الديمقراطية التعددية، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام تحديات كبيرة تتعلق بالمحاصصة الطائفية، ضعف المؤسسات، وتدخلات خارجية أثرت بشكل مباشر على مسار العملية السياسية.
يقوم النظام على مبدأ الفصل بين السلطات، حيث يتولى رئيس الوزراء السلطة التنفيذية الفعلية، بينما يقتصر دور رئيس الجمهورية على الجانب الرمزي والتمثيلي وأما السلطة التشريعية فتتمثل في مجلس النواب الذي يضم ممثلين عن مختلف الكتل السياسية، إضافة إلى مجلس الاتحاد الذي لم يُفعّل بشكل كامل حتى الآن، بالإضافة الى السلطة القضائية التي بدورها يفترض أن تكون مستقلة، لكن الواقع يشير إلى تعرضها لضغوط سياسية متكررة.
من أبرز سمات النظام السياسي العراقي التعددية الحزبية، غير أن هذه التعددية لم تُترجم إلى منافسة برامجية حقيقية، بل ارتبطت غالباً بالانتماءات الطائفية والقومية، وان هذا الأمر أدى إلى ترسيخ مبدأ المحاصصة في توزيع المناصب العليا، وهو ما انعكس سلباً على الأداء الحكومي وأضعف ثقة المواطن بالدولة كما أن التدخلات الخارجية، سواء من الولايات المتحدة أو إيران أو غيرهما، جعلت القرار السياسي العراقي في كثير من الأحيان رهينة لتوازنات إقليمية ودولية.
الأزمات الداخلية المتكررة أبرزت هشاشة النظام، فغالباً ما تشهد البلاد انسداداً سياسياً عند تشكيل الحكومات أو انتخاب الرؤساء، نتيجة الانقسامات بين الكتل، إضافة إلى ذلك يعاني العراق من تفشي الفساد وضعف مؤسسات الرقابة والمساءلة، ما جعل الإصلاحات صعبة التحقيق، واما على الصعيد الاقتصادي، يعتمد العراق بشكل شبه كامل على النفط، وهو ما يجعله عرضة للتقلبات العالمية ويحد من قدرته على بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
الحركات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد منذ عام 2011 وصولاً إلى احتجاجات تشرين 2019، كشفت عن عمق الأزمة بين الشعب والنظام السياسي فالمطالب الشعبية لم تقتصر على تحسين الخدمات أو فرص العمل، بل شملت أيضاً إنهاء المحاصصة، مكافحة الفساد، وضمان استقلالية القرار الوطني. هذه الاحتجاجات مثلت ضغطاً كبيراً على الطبقة السياسية، لكنها لم تؤدِ إلى تغييرات جذرية حتى الآن.
رغم كل هذه التحديات، يبقى النظام السياسي العراقي تجربة فريدة في المنطقة، إذ يجمع بين الفيدرالية والتعددية الحزبية والانتخابات الدورية غير أن نجاحه مرهون بقدرته على تجاوز الانقسامات الداخلية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتحصين القرار الوطني من التدخلات الخارجية، فالمستقبل السياسي للعراق يتوقف على مدى قدرة القوى السياسية على بناء عقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين المواطن والدولة، ويضع أسساً لحكم رشيد يحقق الاستقرار والتنمية.
يمكن القول إن النظام السياسي العراقي يقف عند مفترق طرق، إما أن يستمر في الدوران داخل حلقة الأزمات والانقسامات، أو أن ينجح في إعادة صياغة نفسه بما ينسجم مع تطلعات الشعب نحو دولة قوية، عادلة، وذات سيادة حقيقية، وكذلك أمام تحديات مصيرية تتطلب إعادة نظر جذرية في بنيته وآلياته. فالمحاصصة الطائفية التي شكلت أساس التوازن السياسي بعد 2003 أثبتت أنها عائق أمام بناء دولة مؤسسات حديثة، لأنها كرست الانقسام وأضعفت الكفاءة كما أن التدخلات الخارجية جعلت القرار الوطني هشاً، وأفقدت المواطن الثقة بقدرة الدولة على حماية مصالحه.
الإصلاح السياسي في العراق لا يمكن أن يقتصر على تعديلات شكلية أو تغييرات في الوجوه، بل يحتاج إلى مشروع وطني شامل يعيد صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، وان هذا المشروع يجب أن يقوم على إنهاء المحاصصة، تعزيز استقلالية القضاء، مكافحة الفساد بشكل جاد، وتطوير الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد الأحادي على النفط.
المستقبل السياسي للعراق مرهون بمدى قدرة القوى السياسية على تجاوز مصالحها الضيقة والاتفاق على رؤية وطنية جامعة،فإذا استمر الوضع على ما هو عليه، سيظل العراق يدور في حلقة الأزمات المتكررة، أما إذا نجح في بناء نظام سياسي رشيد قائم على المواطنة والعدالة، فسيكون قادراً على استعادة مكانته الإقليمية والدولية وتحقيق الاستقرار والتنمية لشعبه،وبهذا المعنى، فإن الإصلاح السياسي ليس خياراً ثانوياً بل ضرورة وجودية، لأنه وحده الكفيل بإنقاذ العراق من أزماته المزمنة ووضعه على طريق الدولة الحديثة ذات السيادة الحقيقية.