التحليل السياسي…بين الفهم والانتماء

د. احمد العامري

في مناسبات كثيرة أشاهد حالة صراع ناتجة عن التحليل السياسي لمجريات الأحداث. هذا الصراع، ومن خلال تشخيصي له، سببه أن البعض يخلط بين التحليل كموضوع ومفهوم من جهة وبين وميولاته وانتمائه لأحد أطراف النزاع من جهة اخرى وهذا خلل كبير، كونه يتعارض مع مهنية التحليل التي تُبنى على تفكيك مجريات الأحداث وفق الشواهد والوقائع على الأرض ووفق ميزان القوى… بأختصار
التحليل ورشة لتفكيك الحدث وكلما كان الباحث والمتابع أكثر إلماماً بمجريات الأحداث كان أقرب إلى التشخيص الدقيق، والمحصلة أن هذه التشخيصات مهما تعددت فهي ليست تبنياً للفكرة ولا انتصاراً لطرف.
والأمر الآخر أن التحليل السياسي في أصله ليس ساحة منازلة ولا منبر دفاع عن طرف دون آخر، بل هو عملية عقلية هادئة تهدف إلى تفكيك الحدث إلى عناصره، وفهم دوافعه، وربط نتائجه بأسبابه، ثم الخروج بتصور أقرب ما يكون إلى الواقع لا إلى الرغبة، لكن ما نراه اليوم أن البعض ممن يتصدرون مشهد التحليل يدخلون هذه العملية وهم يحملون انتماءهم قبل أن يحملوا أدواتهم!؟ فيبدأون من النتيجة التي يريدونها، ثم يبحثون لها عن مبررات، فيتحول التحليل من كشف للحقيقة إلى تبرير للموقف
الفرق دقيق لكنه حاسم، فمن يحلل بعين الفهم يسأل ماذا حدث؟ ولماذا حدث بهذه الطريقة؟ وماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك بناءً على معطيات قابلة للفحص؟ أما من يحلل بعين الانتماء فيسأل كيف أجعل هذا الحدث يخدم موقفي؟ وكيف أظهر الطرف الآخر بمظهر الخاسر حتى لو خالف ذلك ما يراه العقل والمنطق؟ والنتيجة أن الجمهور يفقد الثقة لا في التحليل فحسب، بل في فكرة أن هناك من يبحث عن الحقيقة أصلاً.
فالتوعية هنا تبدأ من إعادة الاعتبار للتحليل كمهنة عقل لا كحرفة دفاع. فحين يفصل الإنسان بين ما يفهمه وما ينتمي إليه، يمنح نفسه فرصة أن يرى المشهد أوسع، وأن يقبل بأن يكون على خطأ، وأن يعدل رأيه إذا تغيرت المعطيات، وهذا وحده كفيل أن يرفع مستوى النقاش العام من صراخ متبادل إلى حوار يستحق أن يسمع، ولذا لابد أن يكون الفهم واضحاً وعميقاً، بل ثقافة راسخة لمن يتصدى لعملية التحليل، كي لا يصبح مادة لانتقاد الجميع.

قد يعجبك ايضا