كوردستان تنتظر العدالة الدستورية

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي*

نبارك للأخ علي فالح الزيدي نيله ثقة البرلمان، وهي لحظة سياسية مفصلية يعلّق عليها العراقيون آمالاً كبيرة لبدء مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والعدالة والشراكة الحقيقية. فالثقة البرلمانية ليست نهاية الطريق، بل بداية اختبارٍ فعلي لقدرة الحكومة الجديدة على تحويل الوعود إلى واقع ملموس، ولا سيما في الملفات التي طال انتظار حسمها وفي مقدمتها الحقوق الدستورية لكوردستان، التي بقيت لسنوات طويلة رهينة التأجيل والتجاذبات السياسية.
لقد كان الدستور العراقي عقد شراكة وطنية بين جميع المكونات، والإطار الذي توافق عليه العراقيون لبناء دولة اتحادية عادلة تقوم على التوازن واحترام الحقوق والواجبات. ومن هذا المنطلق فإن تطبيق الدستور كما كُتب ليس مطلباً سياسياً عابراً، بل استحقاق وطني يمثل أساس الاستقرار طويل الأمد. فالدولة التي تحترم دستورها وتلتزم بتنفيذ مواده تبني الثقة بين مواطنيها وتغلق أبواب الأزمات قبل أن تُفتح، بينما يؤدي استمرار التأجيل إلى إطالة عمر الخلافات وتأخير مسيرة التنمية وتعقيد المشهد السياسي والاقتصادي.
إن العلاقة بين بغداد وكوردستان ليست علاقة تنافس أو صراع، بل شراكة في إدارة دولة واحدة، وقد أثبتت التجارب أن أي توتر في هذه العلاقة ينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في العراق كله. لذلك فإن إعادة بناء الثقة تمثل حجر الأساس لأي مشروع إصلاحي حقيقي في المرحلة المقبلة. والكورد كانوا ولا يزالون ركناً أساسياً في المعادلة العراقية، وقد قدموا الكثير في مواجهة التحديات الكبرى، الأمر الذي يجعل تطلع شعب كوردستان إلى مرحلة تُحترم فيها حقوقه الدستورية أمراً طبيعياً ومشروعاً.
المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة عنوانها الالتزام الصريح بالدستور والعمل الجاد لتنفيذ مواده دون انتقائية. فالملفات العالقة بين بغداد وكوردستان، من الموازنة والرواتب إلى النفط والغاز والمادة 140 وغيرها، تحتاج إلى إرادة سياسية شجاعة تنقلها من دائرة الخلاف إلى دائرة الحل. إن النجاح في هذه المهمة لا يعني إنصاف كوردستان فحسب، بل يعني نجاح مشروع الدولة الاتحادية وتعزيز وحدة العراق على أساس العدالة لا الإكراه.
إن حكومة علي فالح الزيدي أمام فرصة حقيقية لإثبات أن بغداد قادرة على أن تكون عاصمة لجميع العراقيين دون استثناء، وأن الشراكة ليست شعاراً سياسياً بل نهج عمل. فالاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمار وتعزيز الأمن تبدأ جميعها من الثقة السياسية، وهذه الثقة لا تُبنى إلا باحترام الدستور وتطبيقه بعدالة.
اليوم تقف كوردستان ومعها كل القوى المؤمنة بالدولة الاتحادية أمام لحظة أمل جديدة؛ لحظة تنتظر فيها الأفعال لا الأقوال، والتنفيذ لا الوعود. فالعدالة الدستورية ليست مطلباً سياسياً بل ضرورة وطنية ومفتاحاً لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للعراق كله. ويبقى الأمل كبيراً بأن يكون عنوان المرحلة القادمة: تطبيق الدستور، بناء الثقة، واستعادة الشراكة الوطنية.

*امام وخطيب

قد يعجبك ايضا