نبيل عبد الامير الربيعي
في طريق رحلتنا كمجموعة من الادباء والكتاب والباحثين من مدينة الحلة إلى قضاء الشيخان، كانت الجبال تحتضن المكان بهدوء مهيب، فيما أخذت الطبيعة تزداد صفاء كلما اقتربنا من وادي لالش في قضاء الشيخان، ذلك المكان الذي يُعد القلب الروحي للديانة الإيزيدية وأقدس مزاراتها الدينية. لم تكن الزيارة مجرد محطة سياحية ضمن برنامج الرحلة، بل كانت اقتراباً من تاريخ عريق وهوية دينية وثقافية ظلت لقرون طويلة محاطة بالكثير من الغموض وسوء الفهم.
عند الوصول إلى معبد لالش، يلفت الانتباه ذلك السكون الروحي الذي يخيم على المكان، حيث القباب البيضاء والممرات الحجرية وينابيع المياه المقدسة، فيما تمتزج الطبيعة بالروحانية بصورة تمنح الزائر شعوراً بالطمأنينة والتأمل. هناك، بدا لالش وكأنه ذاكرة مفتوحة على الزمن، تحرسها الجبال وتحفظ أسرارها الأجيال.
وكان للقاء الأستاذ لقمان محمود أثرٌ بالغ في فهم حقيقة الديانة الإيزيدية بعيداً عن الصور النمطية والأفكار المغلوطة التي التصقت بها عبر التاريخ. فقد قدم شرحاً وافياً عن جذور الديانة الإيزيدية ومعتقداتها وطقوسها، موضحاً أنها ديانة توحيدية تؤمن بالله الواحد وبالملائكة السبعة، وفي مقدمتهم طاؤوس ملك الذي يُعد رمزاً للنور والخير والطاعة الإلهية، نافياً ما يشاع عنها من اتهامات باطلة لا تمت إلى حقيقتها بصلة.
كما تحدث عن أهمية لالش بوصفه مركزاً روحياً للإيزيديين، وعن الشيخ عدي بن مسافر الذي يحتل مكانة كبيرة في وجدان أبناء الديانة، إضافة إلى الطقوس الدينية المرتبطة بالماء المقدس وطقوس التعميد والأعياد الروحية التي تعبر عن ارتباط الإنسان بالطبيعة والنور والحياة.
لقد كانت الزيارة فرصة حقيقية لاكتشاف جانب مهم من التنوع الديني والثقافي في العراق، والتعرف على واحدة من أقدم الديانات التوحيدية في المنطقة، والتي واجه أبناؤها عبر التاريخ موجات من الاضطهاد والعنف، كان آخرها ما ارتكبته عصابات داعش الإرهابية بحق الإيزيديين في سنجار عام 2014.
خرجنا من لالش ونحن نحمل صورة مختلفة وأكثر عمقاً عن الديانة الإيزيدية، بعد أن بدد الحوار والمعرفة مع الاستاذ لقمان محمود كثيراً من الأحكام المسبقة. وأدركنا أن المعرفة الحقيقية بالآخر هي الطريق الأقصر نحو التعايش والاحترام الإنساني، وأن العراق بتنوعه الديني والثقافي يبقى أكثر جمالاً كلما اقترب أبناؤه من بعضهم بالمحبة والفهم والمعرفة.

