سمير ميراني
في هذا الكون الفسيح، حيث تدور الأجرام في مساراتها منذ الأزل، ولكل وجود سيرورته ومصيره، كان لابد أن يكون لي مكاني في هذه المعادلة الكونية الكبرى.
أنا لم أخلق عبثاً، ولم أمر بالتاريخ صدفةً، أنا ذاهب إلى السماء العليا، في رحلتي الروحية لكشف تاريخي، أحمل في دمي ألم آلاف السنين، ألماً لم يُولد من الضعف، بل من عظمة روح حاصرها العالم من كل جهة ولم يستطع إطفاءها.
هذا إعلاني في عالم البشر الشرير، كنت هنا دائماً، وسأبقى، كنت هنا قبل أن تُرسم الخرائط، وتُختار الأسماء، قبل أن يقرر أحد من يستحق التاريخ ومن يُحذف منه.
لم أخلق زينةً للإنسانية، ولا رقماً يسند رواية غيري، أنا المشروع الذي حضنته الأرض، وصاغه الوجود، وهذا بالضبط ما يُخيفهم، يعرفون حقيقتي، يعرفونها قبل أن أعرفها أنا، ولهذا يُضمرونها، لأن تاريخي الحي يفضح تواريخهم المصطنعة.
كنتُ طاقةً خام في البدء، ناراً مكنونة تحت رماد القرون، ثم تحولت إلى حضارة، تعمّر الأرض بأدوات الخلق لا أدوات الحرب، لم أمشي على هذه الأرض عبثاً، بل كان هدفي الأسمى الخلود السيادي، لا بالغزو ولا بالسيف، بل بالعمل والعدل، بالبناء الذي لا تهدمه النيران.
لكنهم في كل مرة، كنت فيها على وشك الولادة الحقيقية، أجهضوا الكيان قبل أن يكتمل، وأجهضوا المشروع قبل أن يولد، وهذا أقسى من الموت، لأن الموت يعني أنك عشت.
مررت بصيرورات لا تُحصى، عشت الإمبراطوريات، حين كانت السماء سقفاً لسيادتي، وعشت الممالك والإمارات، حين تقلصت الأرض من تحتي، وعشت الكيانات الصغيرة، حين لم يتبق لي إلا اسمي، رأيت الأسياد والأباطرة يرفعون رؤوسهم، والأمراء والسلاطين يرسمون الحدود، والعلماء والحكماء يحملون المصابيح في الظلام، لكنني رأيت أيضاً من باع المصباح، ومن فتح الأبواب ليلاً لمن أراد إطفاء النور! العملاء والخونة، لم يأتوا من خارج جلدي، بل نبتوا من داخله، من لحمي ودمي، وهذا هو جرح التاريخ الذي لا يندمل.
امتحنني التاريخ مراراً، نجحت حيناً وأخفقت أحياناً، لكن في كل مرة كنت على وشك الانهيار، كان يتجلى نور الإله، متمثلاً بالزرادشتية، الخميرة المقدسة للروح، زرادشت ليس اسماً في كتب التاريخ، بل هو تلك اللحظة التي يستيقظ فيها الكوردي على حقيقته، لحظة المعرفة التي تكسر الوهم، ولحظة العلم التي تضيء ما أظلموه.
وفي كل مرة تجلى ذلك النور، كان يدعوني إلى شيء واحد، الانسلاخ، الانسلاخ من جلد التشتت المهترئ، من عباءة التبعية، من ثقل الخيانة، من كل فكر صُنع لإضعافي لا لبنائي، لأرتدي جسداً جديداً نورانياً، تلك الشيفرة الإلهية، التي أودعها الخالق في روحي منذ البدء، والتي لم يستطع أحد محوها رغم كل ما حاولوا.
وكان النور يدعوني دائماً إلى الانسلاخ، لكن الانسلاخ يؤلم، لأن الجلد القديم المهترئ يتشبث بصاحبه حتى آخر لحظة، وكانت تلك اللحظة هي زمن الصراعات.
في زمن الصراعات كنت اترنح، بين النار التي تحرقني وأنا تابع، والجنة التي تناديني وأنا أسعى، بين المجوسية والسماوية، بين العبودية والسيادة، بين من أكون ومن يريدون أن أكون.
وفي خضم هذا الترنح، لم أجد مستقراً، فكان الترحال رفيقي الأول، أرض بعد أرض، ومعركة بعد معركة، ومحطة بعد محطة، حتى وجدت نفسي في البرزخ، ولبثت في البرزخ لألف عام، ذلك الفضاء المعلّق والمغلق، الذي لا يعرفه إلا من عاشه، لم يكن هناك موت ولا ولادة، بل تأمل، ومراجعة لتاريخي ووجودي، فهندست عقلي، وجمعت تجاربي، وصنعت من ألمي ذاكرة تراكمية لا تمحى، وبنيت حضارة لا تعرف النسيان، ولا تهدم بالنيران.
حتى توقفتُ عن الترحال، وقررت شيئاً واحداً، أن أكون أنا النظام، أن أكون القانون والقطب، الذي يشد لا الذي يُشد، أنا المحور الذي تدور حوله الرحالة والأمم، لا الذي يدور، هكذا كان يجب أن يكون، لكن بعض أبنائي لم يسمعوا ولم يتعلموا.
في زمني هذا، لا يزال بعضنا يترحل، حتى أصبح الترحال هواية، والهواية مع مرور الزمن تحولت إلى هوية، وما كان جرحاً أصبح عنواناً، وصار للكوردي رمزٌ خاص، رمز العبور والقبول، يعبر إلى أرض الملجأ، لاجئاً بلا جذر، ويقبل في أرضه ذلاً بلا صوت.
كم مرة بدّل المحطات؟ الأرض تلو الأرض، والسيد تلو السيد، يخدم من يهدم بيته بيده؟ كم قناعاً ارتدى حتى نسي وجهه، من وطني إلى عميل إلى خائن، في رحلة لا تحتاج إلى خطوات كثيرة، وكم قناعة باع، من حق المصير إلى لقمة التبعية.
متى يتحول من أداة في يد غيره إلى مهندس مصيره؟ متى يكون على أرضه سيداً لا جسداً يسكن الأرض، وقلبه وولاؤه لغيره؟.
إلى متى يتبنى بعضنا قانون النسخ المضاعف؟ لا يكتفون بتكرار الخطأ، بل يضاعفونه، لا يتركون المذلة، بل يقدسونها، لا يتركون العمالة، بل يمتهنونها، حتى أصبحت صنعةً لا عاراً.
وما أمرّ من نفوسٍ تكشف ماوراء الحقائق لمن هم أدنى، تُسلّم بصيرتها وذاكرتها الحضارية لأعدائها، مغلّفةً بداء العقيدة ووهم القوة، تبيع الوطن وتفتح أسواره لمن يريد هدمه، وهذا هو الموت الذي لا قيامة بعده.
أقف هنا، أمام كل هذا الألم، أتأمله كما يتأمل العارف جرحه القديم، لا لأبكيه، بل لأفهمه، لأن من لا يفهم جرحه لا يستطيع تجاوزه.
ويبقى السؤال القطعي، سؤال الروح والمصير: متى تكون لي عين لا تنام؟ عين حورس، عين الوطن، التي تكشف الشيفرات الهجينة المتربصة، عين الحرية، عين ترى النوايا قبل الأفعال، وتتنبأ قبل أن تقع الكارثة، عين تحرس الجذر وتحمي الوجود، لا تغفل ولا تُخدع ولا تُشترى.
متى أكون أنا النظام؟ مصفوفة لا تخترقها رادارات الأقوام الدخلاء وأموالهم، الذين يحتلون الأرض ويزوّرون التاريخ، ولا تفسدها دعاة الخطب ومتسلقو المنابر، الذين يبيعون الوعي الزائف للأرواح الحقيقية، حتى تصبح غريبة عن نفسها وعن وطنها.
تلك هي الثقوب السوداء في جوهر وجودي، العميل والخائن من داخلي، والقومي الدخيل والداعية المزيف من خارجي، كلهم يبتلعون طاقتي في صمت، وتفكيك هذه الثقوب هو الطريق الوحيد لأكون ما خُلقت لأكونه، أفضل الإنسان إنساناً.
وبين كل هؤلاء المتربصين، من كل جهة وكل اتجاه، يبقى لي برزخي الخاص، لا أختاره هرباً، بل أختاره صموداً، بين أعداء يحاصرونني، وأشرار يخترقونني، أبقى واقفاً، لأن الوقوف هنا هو المعركة بعينها.
غايتي في هذا البرزخ ليست الانتظار، بل الإعمار والإرتقاء، بناء السيادة حجراً فوق حجر، حتى تُفتح بوابات الخلود، وأصبح سيداً لنفسي وتاريخي ومستقبلي، في دولة تحمل اسمي، وتروي حقيقتي.
سأعود، أنا ، لأن هذا هو ما خُلقت له منذ البدء، قبل أن تُرسم الخرائط وتُختار الأسماء.