سنجار بين “فوضى البيانات” وهيبة الدولة: هل يكتب التحالف شهادة عزلة القضاء؟

أ.د.خليل مصطفى عثمان

تعد اللغة التصعيدية التي جاء بها بيان “تحالف القضية الأيزيدية” مؤشراً خطيراً على رغبة بعض الأطراف في فرض إرادة سياسية أحادية تحت غطاء المظلومية التاريخية، بعيداً عن المسارات القانونية والدستورية التي تحكم الدولة العراقية. إن وصف الإدارة القديمة بـ “فاقدة الشرعية” هو توصيف عاطفي يفتقر إلى السند الإداري، ففي النظم المؤسساتية لا تُسحب الشرعية ببيانات صحفية أو بضغط ميداني، بل عبر صناديق الاقتراع أو بقرارات رسمية تصدر عن مجلس محافظة نينوى والحكومة الاتحادية.
إن محاولة منع الموظفين المكلفين رسمياً من ممارسة مهامهم بذريعة “الرفض الشعبي” تكرس لمفهوم “الغابة الإدارية” وتنسف هيبة الدولة التي يدعي البيان الحرص عليها، كما أنها تضع القضاء أمام خطر العزلة التامة.
ويبرز القصور القانوني في البيان بشكل جلي في تجاهله التام لـ “اتفاقية سنجار” الموقعة عام 2020 بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان برعاية الأمم المتحدة؛ وهي الوثيقة القانونية الوحيدة المعترف بها دولياً لرسم خارطة طريق القضاء. إن القفز فوق التزامات الدولة العراقية تجاه هذا الاتفاق، ومحاولة نسف بنوده الإدارية عبر بيانات احتجاجية، لا يمثل تمرداً على الإدارة المحلية فحسب، بل هو تقويض لجهود المجتمع الدولي الرامية إلى استقرار المنطقة، مما يجعل مطالب التحالف تبدو وكأنها تغريد خارج سرب الشرعية المحلية والدولية على حد سواء.
إن معضلة “البديل المستقل” التي يطرحها التحالف تبدو وكأنها كلمة حق يُراد بها باطل؛ ففي ظل التعقيدات الأمنية والميدانية في شنگار، يدرك الجميع أن “الاستقلالية المطلقة” هي محض خيال سياسي، والرفض القاطع للإدارة الحالية دون تقديم خارطة طريق واضحة أو أسماء تحظى بتوافق وطني (بين بغداد وأربيل ونينوى) يعني إبقاء القضاء في حالة من الفراغ الإداري المستدام. هذا الفراغ لا يخدم المواطن البسيط، بل يخدم أطرافاً بعينها تسعى لإبقاء شنگار خارج سلطة القانون الرسمي لتنفيذ أجندات عابرة للحدود، بعيداً عن رقابة الدولة ومؤسساتها النزيهة.
ومن المؤسف أيضاً إقحام ذاكرة الإبادة الجماعية الأليمة عام 2014 في صراع إداري على مناصب محلية، حيث يمثل استخدام دماء الضحايا كذريعة لتعطيل المؤسسات في عام 2026 استغلالاً عاطفياً لا يخدم الضحايا بقدر ما يخدم الطموحات السياسية لمصدري البيان.
إن العدالة الحقيقية تتحقق عبر القضاء الجنائي والتعويضات، أما الإعمار والخدمات فيتطلبان “استمرارية إدارية” وقنوات تواصل مفتوحة، وهو ما يسعى البيان لقطعه تماماً، محاولاً عزل شنگار عن محيطها الجغرافي والاقتصادي الطبيعي، مما سيؤدي بالضرورة إلى خنق القضاء اقتصادياً وتحويله إلى “جزيرة معزولة” تعيش على الوعود السياسية الفارغة.
ختاماً، يفتقر البيان إلى أي لغة للحلول الحقيقية، مكتفياً بـ “الرفض” و”الوعيد” بتحميل الآخرين مسؤولية “الاحتقان الشعبي”، وهي لغة تمهد الطريق لزعزعة الاستقرار الميداني الهش أصلاً.
إن الحل في شنگار يتطلب تنازلات متبادلة والقبول بسلطة القانون والاتفاقات الرسمية، لا فرض سياسة الأمر الواقع. وبدلاً من إغلاق الأبواب أمام عودة مؤسسات الدولة، كان الأجدر بالتحالف المطالبة بآليات رقابية صارمة وشراكة حقيقية تضمن عدم تكرار أخطاء الماضي، بدلاً من الدفع بالقضاء نحو المجهول والفوضى الإدارية التي لن تجلب لسنجار إلا مزيداً من التهميش والضياع.

قد يعجبك ايضا