سمير السوره ميري
ستُحرق كتبُ التاريخ أو على الأقل كثيرٌ من مغالطاتها، تحت وطأة التدفق المتسارع للإنجازات العلمية البشرية التي تلوح في الأُفق، فما كان يُعدّ يوما ضربّا من الخيال أصبح اليوم حقيقةٌ ملموسة، وما كان حكرًا على أفلام الخيال العلمي غدا جزءًا من الواقع اليومي للإنسان المعاصر.
يقول علماء الأعصاب أن دماغ الإنسان يحتوي على نحو ستةٍ وثمانين مليار خلية عصبية، وهذا الرقم الهائل يفتح بابًا فلسفيا عميقا للتساؤل: هل يمكن أن تكون الذاكرة البشرية، بما تحمله من تجارب وتاريخ وتراكم حضاري، قد تركت أثارها في أعماق هذا البناء العصبي عبر الأجيال؟، وهل يحمل الإنسان بصورة ما شيئًا من الخزين المعرفي المتوارث في تكوينه النفسي والذهني؟.
إنّ تأمل سلوك الشعوب ومساراتها الحضارية يقود إلى ملاحظة لافتة، فالأُمم ذات الجذور الحضارية العميقة تبدو في كثير من الأحيان، أكثر قدرةً على إنتاج التمدن والمعرفة والإستمرار في صناعة التقدم، وكأن التاريخ لا يمر عبثًا، بل يترك بصماته في الوعي الجمعي، وفي طرائق التفكير وفي القابلية على الاِبداع والتجاوز.
ولعل ما نراه أحيانا من حالات نادرة أو طفرات استثنائية في الذكاء والقدرات، يثير سؤالا آخر حول طبيعة ما يختزنه الإنسان في داخله من اِمكانات لم تُكشف بعد، فإذا كان البشر قد اِستطاعوا اليوم أن يخزنوا ملايين المعلومات في شرائح إلكترونية صغيرة من صنع أيديهم، فكيف بخلايا أبدعها الخالق بإتقان يفوق كل التصور، إنّ المقارنة هنا تكاد تكون معدومة، لأن العقل البشري مهما بلغ يبقى جزءًا من ذلك السر الكوني الأعظم.
ومع التسارع الهائل في الاكتشافات العلمية، يبدو أنّ الإنسان يسير نحو الاقتراب من مفاتيح تلك الخلايا العصبية، ومحاولة فك شيفراتها المُعقدة، وربما الوصول يومًا إلى قراءة أعمق لذاكرة الإنسان والتاريخ معا، غير أنّ حقيقة التاريخ ستظل إلى حدّ بعيد ضبابيا لأن الأحداث لا تنتقل إلينا بصورتها الخالصة، بل عبر الشاهد والفاعل والمتأثر والمفسّر، وكل واحد منهم يحمل جزءا من الحقيقة وجزءا من ذاته أيضا.
لذلك تبقى الحقائق الأكثر عمقًا دفينة النفس البشرية، عصيَّة على الاكتشاف الكامل، لأن مجرى الأحداث لا تحكمه الوقائع وحدها، بل تحكمه النيات والخفايا والاِنفعالات التي لا يعلم حقيقتها إلا الخالق.