ماهين شيخاني
مقدمة: ليست مجرد لافتة
هل يمكن أن تكون لوحة معدنية معلقة على جدار مبنى حكومي سبباً لأزمة سياسية طاحنة؟ في الحسكة، المدينة التي عرفت كل أنواع الصراعات، كان الجواب: نعم.
ما جرى في الأيام القليلة الماضية حول القصر العدلي في الحسكة لم يكن مجرد “تغيير لافتات”، ولا خلافاً إدارياً عابراً بين موظفين. كان معركة هوية مكشوفة، وجولة جديدة في حرب “من يمتلك سوريا” و”من يُسمح له بالتعبير عن وجوده”.
عدة لافتات في أيام قليلة:
· الأولى: بالكوردية والعربية (اعتراف بالواقع).
· الثانية: بالعربية والإنكليزية (تراجع واستهانة).
· الثالثة: بالعربية فقط (إقصاء وفرض أمر واقع).
خلف هذه اللافتات تختبئ أسئلة كبرى: هل سوريا الجديدة تتسع لكوردها؟ أم أن النموذج المركزيتين – القديم والجديد – واحد في رفض التعددية؟ وإلى أين تتجه المنطقة الشرقية بعد هذا التصعيد؟
الجزء الأول: اللافتات الثلاث.. “مسرحية” عبثية بأبعاد استراتيجية
كل مرة يُعلن فيها عن لافتة جديدة في واجهة المبنى، كانت القوى المتنفذة تقول شيئاً مختلفاً، لكن العبرة كانت في “ما بين السطور”:
اللافتة الأولى (الكوردية – العربية)
كانت هذه اللافتة، التي نُصبت بعد الاتفاقات السياسية بين الإدارة الذاتية والحكومة المؤقتة، بمثابة تطمين أولي. فهمتها الإدارة الذاتية باعتراف ضمني بالواقع اللغوي المزدوج للمدينة. لكن الحكومة رأت فيها مجرد “استثناء مؤقت” لا يجب أن يُحتذى به في مناطق أخرى.
اللافتة الثانية (العربية – الإنكليزية)
هنا بدأ التصعيد الخفي. بإسقاط الكوردية وإدراج الإنكليزية، كان هناك رسالتان معاً:
· رسالة داخلية: “لغتنا العربية هي لغة الدولة، والباقي هامشي”.
· رسالة خارجية: “نحن منفتحون على العالم”.
والمقصود كان واضحاً: فئة المهمشين ليست “العالم” بل الكورد.
اللافتة الثالثة (العربية فقط)
اللافتة الثالثة كانت إعلان حرب مكشوف. “لم يعد هناك مكان للغة أخرى على مؤسسات الدولة”، وكأنه إلغاء لكل مفاوضات واتفاقات سابقة. أنصار الإدارة الذاتية، الذين ينظرون للغة الكوردية كعنصر وجودي لا يمكن التفريط به، ردوا باقتحام المبنى وكسر اللافتة.
ما حدث في القصر العدلي ليس أكثر من معركة صغيرة في حرب كبيرة حول شكل سوريا القادمة: هل ستكون “جمهورية عربية واحدة” بإرث المركزية البائدة؟ أم “دولة المواطنة” التي تعترف بتنوعها بل وتضعه أساساً لنهضتها؟
الجزء الثاني: اللافتة كرمز للصراع على “الهوية”
عندما يحتدم النقاش حول “لافتة”، فذلك لأن جوهر الصراع تحول من “من يحكم” إلى “من نحن”.
من هو “السوري” في عيون الحكومة الجديدة؟
كل المؤشرات تقول: السوري الحقيقي هو من:
· يتحدث العربية كلغة أولى.
· هناك مخاوف متزايدة لدى المكونات غير العربية من أن تعيد السلطة الجديدة إنتاج نموذج الهوية الأحادية تحت غطاء مختلف.
· يقبل بمركزية متطرفة تمنح هوامش ضيقة جداً للآخرين.
هذا التعريف يكرر نفس أخطاء النظام السابق، حيث كان “السوري” يُعرف بطائفة الأسد وبيئته. الاختلاف أن القناع تغير، لكن الجوهر بقي استئثارياً.
من هو “الكوردي” في هذه المعادلة؟
الكورد، الذين قدموا أرواحهم لقتال تنظيم “الدولة الإسلامية” وقدموا نموذجاً متقدماً في الحكم اللامركزي، يُنظر إليهم اليوم بعين الريبة: هم إما “انفصاليون” يريدون تقسيم البلاد، أو “عملاء” لأمريكا وإسرائيل، أو على أحسن الأحوال “مواطنون درجة ثانية” يجب أن يثبتوا وطنيتهم كل يوم بتقديم التنازلات.
اللافتة التي تم إقصاؤها كانت رسالة للكوردي البسيط: “أنت لست هنا”. وتكسيرها كان رداً صريحاً من الإدارة الذاتية: “نحن باقون”.
الجزء الثالث: اللغة كأداة للهيمنة وليس للتواصل
أحد أكثر مآسي سوريا أنها لم تتعلم بعد أن التنوع اللغوي ليس تهديداً، بل ثروة.
في بلد يتحدث سكانه الكوردية، السريانية، التركمانية، والأرمنية إلى جانب العربية، فإن إقصاء هذه اللغات من مؤسسات الدولة هو إقصاء لوجود أصحابها.
التناقض بين القانون والسياسة
المرسوم الرئاسي “رقم 13” (يناير 2026) عرّف العربية كلغة رسمية وحيدة، والكوردية كلغة “وطنية” يمكن تدريسها اختيارياً في بعض المناطق. لكن:
· ما معنى لغة “وطنية” تُمنع من الظهور على لافتة محكمة؟
· كيف تطلب من الناس أن يحترموا مؤسساتك وأنت تشطب هويتهم من عتبة بابها؟
المشكلة هي أن الساسة الجدد في دمشق يتعاملون مع اللغة كأداة خنوع لا تواصل، كرمز تذويب لا تنوع. وهم بذلك يكررون أخطاء الماضي المظلم: عندما كانت اللغة الكوردية محظورة بالكامل، والمرء يُسجن لأنه يتحدث بها.
اللافتات تثبت، بوضوح لا لبس فيه، أن نهج المركزية القمعية لم يمت؛ فقط تغير الحامل السياسي، لكن العقلية بقيت عرجاء تقليدية، تخاف من صوت مختلف، بل تسعى لإلغائه.
الجزء الرابع: ما العمل؟ طريقان لا ثالث لهما
أمام هذا الواقع المأزوم، يبدو أن سوريا أمام خيارين، لا ثالث لهما:
الخيار الأول: فرض الأمر الواقع الخيار الثاني: العقد الاجتماعي الجديد
يتم التمسك بـ”لغة واحدة، دولة واحدة، هوية واحدة”. الاعتراف بأن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات.
تُقصى الأقليات أو تُدمج دمجاً قسرياً. تُعطى الأقليات حقوقاً ثقافية وسياسية، على رأسها اللغة.
الاحتجاجات الكوردية تُقمع بالقوة وتمنع أي اختراق. يتم التوسع في “الإدارة الذاتية” كحل توافقي، لا “انفصال”.
النتيجة: حرب أهلية جديدة، كردستان منفصلة فعلياً، وسوريا “دولة فاشلة” جديدة. النتيجة: نهوض سوري أبطأ لكنه أعمق، واستقرار تدريجي، وإعادة بناء الثقة.
للأسف، كل التصرفات الحالية للحكومة المؤقتة تدفع نحو الخيار الأول. لكن تاريخ القمع لم ينجح في يوم من الأيام في قتل هوية الكورد. الطريقة الوحيدة لضمان سوريا موحدة هي بجعلها موئلاً للجميع، لا سجناً للجميع باستثناء الأغلبية.
خاتمة: اللافتة ليست مشكلة، بل عَرَض
قصر العدلي في الحسكة ليس إلا حلقة في مسلسل طويل من الأخطاء التي ترتكبها النخب الجديدة تجاه مكونات البلاد. إن إصرار الحكومة الانتقالية على فرض رؤية عربية-مركزية هو بمثابة حرق للجسور قبل بنائها. ولن تقف المظاهرات والتكسير عند لافتة واحدة؛ فكل يوم سيكون هناك لافتة جديدة في مدينة جديدة، وكل يوم سنكتشف أن “دمج” المؤسسات لا يمكن أن يتم على حساب روح الناس.
الكورد لن ينسوا لغتهم.
والسريان لن ينسوا تراثهم.
والدروز لن ينسوا كرامتهم.
والساحل لن ينسى دماءه.
وأهل دمشق لن ينسوا أن عاصمتهم كانت رمزاً للتناغم، لا للصراع.
فإلى متى ستظل سوريا تراوغ في الاعتراف بحقيقة واحدة بسيطة:
أن التنوع ليس وصمة، بل ميزة.
وأن اللافتات التي لا تحترم اللغة الكوردية على أراضيها، قد تكون أول وأسرع طريق لانهيار “سوريا الجديدة” قبل أن ترى النور.