مازن عرفة يفكك أوهام الذات في روايته الجديدة «نداءات المرايا»

واشنطن-التآخي

صدرت حديثاً عن دار خياط للنشر في العاصمة الأمريكية واشنطن الطبعة الأولى من رواية «نداءات المرايا»، للكاتب السوري مازن عرفة، وهي عمل يمتد على مساحة (272) صفحة، متجاوزاً السرد التقليدي، ليدخل في عوالم سريالية وفلسفية تبحث في كينونة الإنسان وصراعه مع الزمن والذاكرة.
يفتتح الكاتب عمله بمقدمة تحمل عنوان «لانهائية احتمالات وجود»، حيث يصف حالة من الطفو في فضاء بلا أبعاد ولا ذاكرة، مصوراً الوعي الإنساني كأطياف متشابكة تنتظر لحظة الانفجار لتنتقل من العدم إلى الحكاية.
تنقسم الرواية إلى ثلاثة أجزاء رئيسية هي «في البدء كانت الحكاية»، و«عوالم مرايا»، و«سفر نحو اكتشاف الذات/ سفر خارج الزمكان»، وهي رحلة تنطلق من الجزئي والمحلي لتصل إلى وعي كوني شامل حي.

يستعرض عرفة في الجزء الأول «في البدء كانت الحكاية» ما يسميه «أولى الاحتمالات» و«الوجه الآخر للحكاية»، حيث تتداخل ذكريات الطفولة مع وقائع قد تنتمي لعوالم موازية، يبرز في هذا القسم حضور شخصية الأب الذي يتأرجح في الذاكرة بين كونه فلاحاً بسيطاً أو جندياً، في إشارة إلى تشظي الهوية والذاكرة الجمعية.
يأخذنا الجزء الثاني إلى «عوالم مرايا»، حيث تتجلى شخصيات رمزية مثل «بائع الصبار» و«بائع البوظة»، وتظهر ملامح الحياة اليومية في حارات «أبو حمدان» و«أبو علي»، لتتشابك في هذا الجزء حكايات اجتماعية ونفسية معقدة، تظهر فيها شخصيات مثل أم زياد والجنية والشيخ، وصولاً إلى لحظات قاسية توثق اجتياح العسكر للبلدة وتحطم عوالم المرايا.
هذا وينتقل الأديب السوري في الجزء الثالث والأخير «سفر نحو اكتشاف الذات» بالقارئ إلى تجربة صوفية وكابوسية في آن واحد، تبدأ بالتيه في حلم كابوسي وتنتهي بالاتحاد مع الحقيقة المطلقة، ليتناول في هذا الجزء رموزاً سياسية وفلسفية عميقة مثل تمثال الديكتاتور ووصايا الغبار، ممتزجة برحلات مع أرواح القبائل البدائية والاتحاد مع روح الجبل.
تتميز «نداءات المرايا» بلغة بصرية عالية تستحضر صوراً فوتوغرافية بالأبيض والأسود معلقة في غمامات الذكريات، مما يمنح النص صبغة سينمائية وفلسفية، حيث تطرح تساؤلات وجودية حول ما إذا كانت هذه الحكايات تستند إلى وقائع شهدتها أم أنها مجرد احتمالات منبثقة من «العدم المشتعل» في لاوعيه الفردي والكوني.
وتعتبر «نداءات المرايا» محاولة لفك شيفرة الذات التي تتعدد وجوهها أمام مرايا الواقع والخيال، حيث يتداخل فيها اليقين بالهلوسة، وبصدورها يضيف مازن عرفة لبنة جديدة في صرح الرواية المعاصرة التي تدمج بين الرمزية السريالية والتحليل النفسي، مقدماً عملاً يرفض القوالب الجامدة ويحتفي بلانهائية الاحتمالات الإنسانية.
تجدر الإشارة إلى أن مازن عرفة هو أديب وأكاديمي سوري، يجمع في نتاجه بين مرجعية علمية متمثلة في دكتوراه العلوم الإنسانية (تخصص علم المكتبات والمعلومات) من جامعة «ماري كوري» في مدينة لوبلين – بولونيا 1990م، وبين ذائقة أدبية صقلتها دراسته للأدب الفرنسي بدمشق 1983م، وهو باحث متعدد اللغات يتقن الفرنسية والبولونية والألمانية.

قد يعجبك ايضا