عماد الطيب
حضرتْ في الحلم كما لو أنّها وعدٌ تأخر كثيرًا حتى كاد أن يُنسى، ثم عاد دفعةً واحدة ليملأ الفراغ كلّه. كانت حنونةً على نحوٍ لا يُفسَّر، كأن قلبها يفيض بما لا تستطيع الأيام أن تحمله، مبتسمةً ابتسامةً خفيفة، تشبه الضوء حين يمرّ على وجه ماءٍ حزين. لم تكن ابتسامتها خالية من الألم، بل كانت تخبّئ وراءها شيئًا مكسورًا، شيئًا يشبه الحقيقة حين تتعب من ادّعاء القوة. اقتربتُ منها في الحلم دون تردّد، كأن المسافة بيننا لم تكن يومًا سوى وهمٍ طويل. نظرتُ إلى عينيها، فوجدتُ فيهما حكاياتٍ لا تُروى، وليلًا طويلاً لم يجد بعدُ فجراً يليق به. ومع ذلك، كانت تمنحني شعورًا غريبًا بالسكينة، كأنها جاءت لتعتذر عن كل ما لم يحدث، ولتمنحني كل ما لم أطلبه يومًا. حين ابتسمت، شعرتُ أن العالم بأكمله يمكن أن يُعاد ترتيبه بهذه البساطة؛ أن تتبدّل قسوة الأشياء إلى ليونة، وأن يتحوّل الضجيج إلى معنى. كانت كلماتها قليلة، لكنها لم تكن بحاجة إلى الكثير. كل حرفٍ منها كان يمرّ عبر القلب مباشرة، بلا استئذان. قالت أشياء لا أذكرها حرفيًا، لكن أثرها بقي كوشمٍ لا يُمحى. كأن اللغة، في حضورها، تصبح أداةً زائدة، وأن الصمت وحده يكفي ليحكي كل شيء. جلستُ بقربها، وشعرتُ أن الزمن يتباطأ، كأنه يخشى أن يفسد هذه اللحظة. لم يكن هناك ماضٍ يثقلنا، ولا مستقبلٌ يهددنا، فقط الآن… فقط نحن، وكأن الحلم قرر أن يكون أكثر رحمة من الواقع. وفي عمق ذلك اللقاء، أدركتُ أن حزنها لم يكن ضعفًا، بل كان جزءًا من جمالها؛ ذلك الحزن الذي يجعل الحنان أكثر صدقًا، والابتسامة أكثر إنسانية. كانت تشبه المدن القديمة التي أنهكها التاريخ، لكنها ما زالت تحتفظ بسحرها، رغم كل ما مرّ بها. وربما لهذا أحببتُها في الحلم أكثر، لأنني رأيتُ فيها ما لا يُرى بسهولة: القوة التي تتخفّى خلف الانكسار. مددتُ يدي، لا لأمسك بها، بل لأتأكد أنها ليست وهمًا. شعرتُ بدفءٍ خفيف، كأنها حقيقةٌ مؤقتة، كأن الحلم قرر أن يمنحني فرصةً واحدة لأصدق أن ما أريده يمكن أن يكون. لم أطلب منها أن تبقى، لأنني كنتُ أعرف أن الأحلام لا تُقيم طويلاً، لكنها حين ترحل، تترك خلفها شيئًا لا يرحل. وحين بدأت ملامحها تتلاشى، لم أشعر بالفقد كما توقعت. كان في داخلي هدوءٌ غريب، كأنها لم تأتِ لتبقى، بل لتعيد ترتيب شيءٍ في روحي، لتقول لي دون كلمات: إن بعض اللقاءات، حتى وإن حدثت في الحلم، تكون أكثر صدقًا من ألف حقيقة. استيقظتُ، لكنني لم أعد كما كنت. كان هناك أثرٌ يشبه الضوء، ووعدٌ خفي بأن ما شعرتُ به لم يكن عبثًا. كانت هي الحلم الذي يعادل كل أحلامي، لا لأنه الأجمل فقط، بل لأنه الأكثر صدقًا. الحلم الذي لم يمرّ كغيره، بل بقي… كذكرى لم تحدث، وكحقيقة لم تكتمل، وكإحساسٍ سيظلّ ينمو في داخلي، كلما أغمضتُ عيني، وكلما تذكرتُ أن للحياة وجهًا آخر… لا يظهر إلا في الأحلام.