الدكتور محمد طه الهدلوش
يُعدّ موضوع العشائر في العراق من أكثر القضايا تعقيدًا وتشابكًا، لما تحمله هذه البنية الاجتماعية من عمق تاريخي وتأثير ممتد في مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية. فالعراق، بوصفه مجتمعًا متنوعًا، لم يعرف يومًا انفصالًا حقيقيًا بين الدولة والمجتمع، بل ظلّت العشيرة أحد أهم روافد تشكيل الهوية والقرار. ومن هنا يبرز التساؤل: هل ما زالت العشائر لاعبًا حاسمًا في القرار العراقي، أم أن دورها أخذ بالتراجع أمام تحولات الدولة الحديثة؟
لفهم هذه الإشكالية، لا بد من الإشارة إلى أن العشيرة ليست مجرد تنظيم اجتماعي تقليدي، بل هي منظومة متكاملة من القيم والعلاقات والسلطة الرمزية. وقد لعبت تاريخيًا دورًا بارزًا في مقاومة الاحتلالات، وفي إدارة شؤون المجتمع، بل وفي التأثير على مخرجات الحكم. هذه المكانة لم تتلاشَ مع قيام الدولة العراقية الحديثة، بل أعادت تشكيل نفسها بطرق مختلفة، خاصة بعد عام 2003.
بعد التغيير السياسي في العراق، شهدت العشائر عودة قوية إلى المشهد السياسي، ليس فقط كقوة اجتماعية، بل كفاعل سياسي مباشر. فقد لجأت القوى السياسية إلى استثمار النفوذ العشائري في بناء قواعدها الشعبية، وأصبح دعم شيخ العشيرة عاملًا مهمًا في نجاح المرشحين في الانتخابات. كما أن المرشحين غالبًا ما يسعون للحصول على تأييد عشائري باعتباره مفتاحًا مهمًا لحشد الأصوات، مما يعكس استمرار تأثير العشيرة في توجيه السلوك الانتخابي.
ومع ذلك، فإن هذا التأثير لا يعني بالضرورة ثباته بالشكل التقليدي، بل شهد نوعًا من التحول. إذ لم يعد دور العشائر مطلقًا كما كان في السابق، بل أصبح أكثر تعقيدًا، حيث يتداخل مع عوامل أخرى مثل الانتماء الحزبي والطائفي والاقتصادي. وفي هذا السياق، يمكن القول إن العشيرة لم تختفِ من المشهد، بل أعادت تموضعها ضمن منظومة سياسية جديدة.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن البنية الاجتماعية العراقية ما زالت ذات طابع عشائري قوي، حيث يرتبط الفرد بعشيرته حتى في ظل التمدن والتطور. وهذا الارتباط يجعل من الصعب تجاهل دور العشيرة في صناعة القرار، سواء بشكل مباشر عبر المشاركة السياسية، أو بشكل غير مباشر عبر التأثير في الرأي العام.
لكن في المقابل، يبرز اتجاه يدعو إلى تقليص الدور السياسي للعشائر، وحصره في الإطار الاجتماعي، وذلك من أجل تعزيز مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والمؤسسات. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن استمرار النفوذ العشائري في السياسة قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات الرسمية، وإلى تغليب الولاءات الضيقة على حساب المصلحة العامة.
وعند النظر إلى الواقع العراقي المعاصر، يمكن القول إن العشائر لا تزال لاعبًا مهمًا، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد أو الحاسم بشكل مطلق. فقد دخلت على الخط قوى جديدة، مثل الأحزاب السياسية، والحركات المدنية، والنخب الأكاديمية، إضافة إلى تأثير وسائل الإعلام والتكنولوجيا. ومع ذلك، فإن أي عملية سياسية في العراق لا يمكن أن تتجاهل البعد العشائري، خاصة في المناطق التي ما زالت تحافظ على بنيتها التقليدية.
كما أن بعض المؤشرات الحديثة، مثل مشاركة عدد كبير من شيوخ العشائر في الانتخابات، تعكس استمرار اهتمامهم بالعمل السياسي، وإن كانت النتائج لا تعكس دائمًا نجاحًا واسعًا، مما يدل على وجود تحولات في المزاج الانتخابي.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن العشائر في العراق لم تفقد دورها، لكنها انتقلت من مرحلة الهيمنة إلى مرحلة التأثير النسبي. فهي ما زالت عنصرًا مهمًا في معادلة القرار، لكنها لم تعد قادرة على حسمه وحدها كما في السابق. بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من الفاعلين، يتقاسمون التأثير في المشهد السياسي.
إن مستقبل دور العشائر في العراق يرتبط بمدى تطور الدولة ومؤسساتها، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين احترام الخصوصية الاجتماعية، وبناء نظام سياسي قائم على المواطنة والقانون. فإذا نجحت الدولة في هذا المسار، فقد يتحول دور العشيرة إلى عامل دعم اجتماعي، بدلًا من أن يكون أداة تأثير سياسي مباشر.