امجد عبدالكريم
لم يعد التجنيد الإلزامي أو ما يُعرف بـ(خدمة العلم) مجرد إجراء عسكري تقليدي، بل تحول إلى قضية مرتبطة بطبيعة الدولة الحديثة وتوازنها بين متطلبات الأمن والاقتصاد والمجتمع. فبينما لا تزال بعض الدول تعتمد عليه كجزء من مفهوم “الجاهزية الوطنية” وبناء الانضباط العام، اتجهت دول متقدمة إلى إلغائه أو تجميده لصالح الجيوش المهنية، معتبرة أن طبيعة الحروب الحديثة باتت تعتمد على التكنولوجيا والتخصص أكثر من الاعتماد على الكتلة البشرية، وأن كلفته الاجتماعية والاقتصادية لم تعد مبررة مقارنة بفعاليته.
في السياق العراقي، لا يمكن فصل هذا النقاش عن واقع الدولة بعد التحولات السياسية والاقتصادية التي مرت بها، وما رافقها من تحديات أمنية وبنيوية. لذلك، لا يُطرح الملف بوصفه خياراً بسيطاً بين القبول والرفض، بل كسؤال أعمق يتعلق بقدرة الدولة على بناء نموذج متوازن قابل للتطبيق دون خلق أعباء إضافية أو إعادة إنتاج أزمات سابقة.
على المستوى المؤسسي، يرى المختصون العسكريون أن أي مشروع للتجنيد يتطلب بنية لوجستية واسعة، وموارد مالية وإدارية قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب، وتحويلهم إلى قوة منظمة. في المقابل، يحذر اقتصاديون من أن هذه الكلف قد تشكل ضغطاً إضافياً على اقتصاد يعاني أصلاً من تحديات، في وقت يحتاج فيه إلى توجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج وتقليل العجز.
بين هذه الرؤى، يقف المواطن كطرف يحمل ذاكرة وتجربة سابقة، ما يجعل مخاوفه مرتبطة ليس فقط بفكرة التجنيد، بل بطريقة إدارته واحتمالات سوء التطبيق، أو تحولّه إلى باب للبيروقراطية والفساد. كما يمتد القلق إلى فئات الموظفين الذين يرون في أي تشريع جديد احتمالاً للمساس باستقرارهم الأسري والمعيشي، في ظل حياة باتت أكثر تعقيداً وترابطاً.
وفي المحصلة، لا يبدو أن الإشكال في “التجنيد” أو (خدمة العلم) بحد ذاته، بل في كيفية تصميمه وإدارته ضمن رؤية واضحة توازن بين متطلبات الأمن واستقرار المجتمع، وتمنع تحويله إلى عبء إضافي بدل أن يكون أداة تنظيم وبناء.