نبيل عبد الأمير الربيعي
تعد فكرة ولاية الفقيه واحدة من أبرز المفاهيم التي شكلت تطور الفكر السياسي في المذهب الشيعي، حيث برزت بوصفها محاولة فقهية لسد الفراغ القيادي في زمن الغيبة، أي في غياب الإمام المعصوم. وقد نشأت هذه الفكرة ضمن سياقات تاريخية معقدة، تأثرت بالظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها الشيعة عبر قرون طويلة، فكانت نتيجة لتفاعل مستمر بين النص الديني ومتطلبات الواقع. ولم تكن هذه النظرية في بداياتها مشروعاً سلطوياً بقدر ما كانت اجتهاداً فكرياً يسعى إلى تنظيم شؤون المجتمع، والحفاظ على تماسكه في ظل غياب المرجعية المعصومة.
إن مفهوم الغيبة، بوصفه ركيزة عقائدية في الفكر الشيعي، أوجد إشكالية عميقة تتعلق بمسألة السلطة والقيادة. فمن جهة، هناك اعتقاد بوجود الإمام الغائب بوصفه المرجع الأعلى، ومن جهة أخرى، هناك حاجة واقعية لإدارة شؤون الناس. وفي هذا السياق، ظهرت اجتهادات متعددة حاولت تفسير دور الفقيه وحدود سلطته، فذهب بعضهم إلى حصرها في الإفتاء والقضاء، بينما وسعها آخرون لتشمل جوانب أوسع من الحياة العامة. ومع مرور الزمن، أخذ هذا المفهوم يتطور تدريجياً، إلى أن بلغ ذروته في صياغته الحديثة التي قدمها بعض الفقهاء، والتي منحت الفقيه دوراً قيادياً شاملاً.
غير أن التحول الأبرز في تاريخ هذا المفهوم جاء مع قيام إيران بعد الثورة، حيث انتقلت ولاية الفقيه من حيز النظرية إلى حيز التطبيق السياسي. فقد أصبحت هذه الفكرة الأساس الذي يقوم عليه نظام الحكم، وتحولت من اجتهاد فقهي قابل للنقاش إلى بنية دستورية ملزمة. وبهذا الانتقال، دخلت النظرية في مجال جديد، لم تعد فيه مجرد إطار فكري، بل أداة لإدارة الدولة وتوجيه سياساتها الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق، برز مفهوم تصدير الثورة بوصفه أحد الامتدادات السياسية لهذا التحول، وقد ارتبط بشكل مباشر برؤية الإمام الخميني بعد قيام الثورة في إيران عام 1979م. إذ لم يقتصر المشروع على بناء نظام داخلي، بل سعى إلى تقديم نفسه بوصفه نموذجاً قابلاً للتعميم خارج حدوده الجغرافية، وهو ما تم تثبيته لاحقاً في الدستور الإيراني ضمن توجه عام يدعم نصرة المستضعفين ونشر مبادئ الثورة.
وقد استند هذا التوجه إلى رؤية أيديولوجية ترى في الثورة مشروعاً ذا رسالة عالمية، ينبغي نشره ودعمه في مجتمعات أخرى، خصوصاً تلك التي تشترك في خلفيات دينية أو سياسية مشابهة، بما يعكس تصوراً يتجاوز حدود الدولة الوطنية إلى فضاء أوسع من التأثير الإقليمي والدولي.
غير أن هذا الطرح يثير إشكالات عميقة على مستوى العلاقات الدولية ومبدأ السيادة. فالدولة الحديثة تقوم، في جوهرها، على الاعتراف المتبادل بين الدول، واحترام حدودها واستقلالها السياسي. وأي محاولة لتصدير نموذج سياسي أو أيديولوجي إلى خارج هذه الحدود، سواء عبر التأثير المباشر أو غير المباشر، تعد تجاوزاً لهذه المبادئ. كما أنها تفتح الباب أمام صراعات إقليمية، وتغذي الانقسامات الداخلية في الدول المستهدفة، بدل أن تسهم في استقرارها.
إن نقد فكرة تصدير الثورة لا ينطلق من موقف عدائي تجاه أي عقيدة أو مذهب، بل من حرص على مبدأ أساسي في النظام الدولي، وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها. فلكل مجتمع خصوصياته الثقافية والتاريخية، التي تجعله قادراً على اختيار مساره السياسي بما يتناسب مع واقعه. ولا يمكن فرض نموذج معين، مهما بدا ناجحاً في سياق ما، على مجتمعات أخرى تختلف في بنيتها وظروفها.
كما أن التجارب التاريخية أثبتت أن المشاريع التي تقوم على التوسع الأيديولوجي غالباً ما تواجه مقاومة، وتؤدي إلى نتائج عكسية. فبدل أن تسهم في نشر الاستقرار، تخلق حالة من التوتر الدائم، وتدفع الدول إلى الدخول في صراعات مفتوحة. وفي كثير من الأحيان، تكون الشعوب هي الخاسر الأكبر في هذه المعادلات، حيث تتحول أراضيها إلى ساحات صراع بين مشاريع متنافسة.
ومن هنا، فإن التمييز بين الإطار الفكري لولاية الفقيه، بوصفه اجتهاداً قابلاً للنقاش، وبين توظيفه السياسي في سياق تصدير الثورة، يعد أمراً ضروريًا لفهم الإشكالية بشكل متوازن. فليس كل ما هو فكري يدان، ولا كل ما هو سياسي يقبل. بل إن المعيار الحقيقي يكمن في مدى احترام هذه الأفكار لحقوق الآخرين، والتزامها بالقواعد التي تنظم العلاقات بين الدول.
إن أي مشروع فكري أو سياسي يفقد مشروعيته حين يتحول إلى أداة لفرض الهيمنة أو الوصاية على الآخرين. فالقوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على التمدد، بل في القدرة على بناء نموذج داخلي ناجح، يحظى بقبول شعبه، ويقدم نفسه بوصفه تجربة قابلة للإلهام لا للإكراه. فالتاريخ لا يحفظ المشاريع التي فرضت بالقوة، بل تلك التي نشأت من داخل المجتمعات، واستجابت لحاجاتها الحقيقية.
أخيراً، يمكن القول إن ولاية الفقيه، بوصفها فكرة، هي جزء من التراث الفكري الذي يستحق الدراسة والنقاش، لكن تحويلها إلى أداة سياسية عابرة للحدود يضعها في مواجهة مع مبدأ السيادة، ويثير تساؤلات مشروعة حول حدودها وأهدافها. ومن هنا، فإن نقد تصدير الثورة لا يعني رفض الفكر، بل هو دفاع عن حق الشعوب في أن تختار طريقها بنفسها، بعيداً عن أي تدخل خارجي، وتأكيد على أن الحوار والتكامل هما السبيل الأمثل لبناء عالم أكثر استقراراً وعدالة.