بين الروح والواقع هل ما زلنا نعرف أنفسنا!

نوري جاسم

في زحام الحياة، حيث تتداخل الأصوات وتتشابك الطرق، يقف الإنسان حائرًا أمام مرآة ذاته، يسأل بصمتٍ موجع: من أنا؟ هل أنا ذلك الكائن الذي تحركه ضرورات الواقع، أم ذاك الحالم الذي تسكنه الروح وتحنّ إلى المطلق؟ ولقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش حالة انفصام خفي بين ما يعيشه وما يشعر به، بين ما يُفرض عليه وما يختاره قلبه.

فالواقع اليوم يضغط بثقله، يفرض إيقاعًا سريعًا لا يترك مجالًا للتأمل، بينما الروح تبحث عن لحظة صفاء، عن معنى، عن سكينة تفتقدها في ضجيج المادة. ونحن ننجح في أدوار كثيرة: موظفون، آباء، قادة، أو حتى متابعون في عالم افتراضي، لكننا كثيرًا ما نفشل في دور واحد فقط… أن نكون أنفسنا. نرتدي وجوهًا متعددة لنرضي الآخرين، ونساير تيارات لا تشبهنا، حتى نصل إلى لحظة نكتشف فيها أننا غرباء عن ذواتنا.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة ليس: ماذا نملك؟ بل: ماذا فقدنا؟ فقدنا البوصلة الداخلية التي كانت تقودنا نحو التوازن بين الروح والواقع. لم يعد الإنسان يقيس نجاحه بمدى قربه من ذاته، بل بمدى قبوله في أعين الآخرين. إن الأزمة الحقيقية ليست في تعقيد الحياة، بل في ابتعاد الإنسان عن جوهره. الروح حين تُهمَل، لا تموت… لكنها تصرخ بصمت، تظهر في قلقٍ لا مبرر له، في فراغٍ رغم الامتلاء، في حنينٍ لا نعرف مصدره. ان العودة إلى الذات ليست رفاهية، بل ضرورة. أن تجلس مع نفسك دون ضجيج، أن تصغي لذلك الصوت الداخلي الذي لطالما تجاهلته، أن تعيد تعريف نفسك بعيدًا عن توقعات الآخرين. عندها فقط تبدأ الرحلة الحقيقية… رحلة التصالح بين الروح والواقع.

لسنا مطالبين بالهروب من الواقع، بل بإعادة إنسانيته. أن نعيش فيه دون أن نفقد أرواحنا، أن ننجح دون أن نُفرّط بذواتنا، أن نكون حاضرين في العالم… دون أن نغيب عن أنفسنا. فهل ما زلنا نعرف أنفسنا؟ أم أننا أصبحنا مجرد انعكاسٍ لما يريده الآخرون؟ الإجابة ليست في الخارج… بل في أعماقنا التي تنتظر أن نعود. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..

قد يعجبك ايضا