خالد عامر الحديثي
لم يعد مفهوم السلطة في النقد الحديث مقتصرًا على البعد السياسي أو المؤسسي فحسب، بل بات يُنظر إليه بوصفه شبكة معقدة من العلاقات المتداخلة التي تتغلغل في اللغة والخطاب والمعرفة. ومع ازدهار فلسفات ما بعد الحداثة، أصبح تحليل السلطة وتفكيك بنيتها هدفًا محوريًا، لا يقتصر على فهم آليات اشتغالها فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى زعزعة أسسها وإعادة توزيعها داخل النصوص. وفي هذا السياق، يتقاطع هذا التصور مع رؤية ميشيل فوكو، الذي يؤكد أن السلطة ليست شيئًا يُمتلك، بل علاقة تُمارس في كل مكان، بما يعزز فكرة شموليتها وامتدادها عبر مختلف مستويات الخطاب.
وقد رفضت المقاربات النقدية الحديثة التصور الكلاسيكي للسلطة بوصفها قوة هرمية تُمارس من الأعلى إلى الأسفل، وقدّمت بدلًا من ذلك تصورًا يقوم على تعدد مراكز القوة وتشابكها وتداخلها. ووفق هذا المنظور، لا تُعد السلطة مجرد آلية قسرية، بل هي عملية إنتاج وإعادة إنتاج داخل الخطابات التي تشكل رؤيتنا للعالم. ومن هنا تبرز أهمية مقولة فوكو: «حيث توجد السلطة توجد المقاومة»، في إشارة إلى أن السلطة تتضمن في بنيتها إمكان نقيضها.
وتؤدي اللغة دورًا جوهريًا في تشكيل السلطة، لا بوصفها أداة تعكس الواقع، بل باعتبارها وسيلة لإعادة بنائه ضمن أنساق دلالية محمّلة بالبعد الأيديولوجي. وبناءً على ذلك، يغدو النص الأدبي فضاءً لصراعات متعددة القوى، تُمارس فيه السلطة عبر آليات التمثيل والإقصاء والتهميش. ويتقاطع هذا التصور مع أطروحات بيير بورديو، الذي يرى أن «السلطة الرمزية» تكمن في قدرتها على تحويل رؤية معينة للعالم إلى حقيقة تبدو طبيعية وبديهية وغير قابلة للنقاش.
ويتجلى مفهوم «تفكيك السلطة» بوصفه ممارسة نقدية تسعى إلى الكشف عما يختزنه الخطاب من علاقات هيمنة وصراع. ويتم ذلك عبر تحليل البنى العميقة للنصوص، وتتبع تناقضاتها الداخلية، وإبراز الأصوات المستبعدة أو المهمشة. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى النص لا بوصفه كيانًا محايدًا، بل باعتباره حاضنة لتجاذبات القوة، وهو ما ينسجم مع طرح جاك دريدا الذي يرى أن التفكيك ليس هدمًا، بل كشفٌ للتناقضات الكامنة داخل النص.
وقد أسهمت ما بعد الحداثة كذلك في تقويض مركزية الصوت الواحد؛ إذ لم يعد السرد محصورًا في سلطة الراوي المطلق، بل أصبح فضاءً مفتوحًا لتعدد الأصوات والرؤى. وقد أفضى هذا الانفتاح إلى تقليص أشكال الهيمنة، ومنح القارئ دورًا محوريًا في إنتاج المعنى، كما أشار رولان بارت في مفهوم «موت المؤلف»، الذي ينقل مركز السلطة من الكاتب إلى المتلقي.
وفي السياق نفسه، يرتبط تفكيك السلطة بالاهتمام بالقضايا المهمشة التي جرى إسكاتها تاريخيًا بفعل الخطابات المهيمنة، مثل قضايا النساء والأقليات والفئات الاجتماعية المضطهدة. وبذلك يتحول النقد إلى أداة مقاومة تسعى إلى تمكين هذه الأصوات ومنحها مساحة للتعبير عن ذاتها.
ومع ذلك، فإن تفكيك السلطة لا يعني زوالها نهائيًا، بل قد يؤدي أحيانًا إلى إعادة إنتاجها في صور أكثر تعقيدًا وخفاءً. إذ إن كل خطاب يسعى إلى التحرر قد يحمل في داخله إمكانات جديدة للهيمنة. لذلك تظل عملية التفكيك ممارسة نقدية مستمرة ومتجددة لا تكتمل.
وفي الختام، يمثل تفكيك السلطة داخل الخطاب الأدبي تعبيرًا عن وعي نقدي يسعى إلى تجاوز المسلمات، وفتح النص أمام قراءات متعددة. وهو في جوهره حالة من المساءلة المستمرة التي ترفض منح أي صوت أو اتجاه فكري سلطة مطلقة أو نهائية.