شيرزاد نايف/ دهوك
رئاسة الأركان بين استحقاق الدستور واستحقاق التوازن
في الدول التي تُبنى على التعدد لا يكون المنصب امتيازاً، بل يكون ميزاناً؛ ولا تكون السلطة غلبةً، بل غايةُ غايتها الغلبة على الانقسام. ومن هنا يبرز الحديث عن منصب رئيس أركان الجيش العراقي لا بوصفه وظيفة عسكرية فحسب، بل بوصفه ركناً من أركان التوازن الوطني، وميزاناً من موازين الشراكة الدستورية.
إن الدستور العراقي لسنة 2005 قام على فلسفة واضحة وهي الاعتراف بالتعدد القومي، وضمان الشراكة في إدارة الدولة، ومنع عودة التفرد والاستحواذ. فقد نصّ الدستور في ديباجته على احترام مكوّنات الشعب العراقي، وأكد في المادة (9/أولاً) أن القوات المسلحة العراقية تتكون من مكونات الشعب كافة، وتمثلهم دون تمييز أو إقصاء، وتخضع للقيادة المدنية، وتدافع عن العراق ولا تكون أداة لقمع الشعب.
وهنا يكمن جوهر المسألة؛ إذا كان الجيش يمثل جميع المكونات، أفلا ينبغي أن تنعكس هذه الروح في قيادته العليا؟ وإذا كان المنصب ركناً، فكيف يستقيم الركن إن اختلّ ميزان التمثيل؟
لقد كان للكرد في المراحل الأولى بعد 2003 حضور واضح في مواقع عسكرية سيادية، في إطار التوافق السياسي الذي أسّس لمرحلة جديدة من الحكم. لم يكن ذلك من باب المحاصصة الضيقة، بل من باب تثبيت الثقة بين المكونات، وترسيخ مفهوم الشراكة الحقيقية. غير أن السنوات اللاحقة شهدت تحولات سياسية وتفسيرات مرنة – وربما مُفرِطة في المرونة – لفكرة “الاستحقاق”، حتى غدا ما كان ثابتاً قابلاً للتأجيل، وما كان حقاً قابلاً للتأويل.
إن فلسفة الدولة الاتحادية تقوم على التوازن لا التغليب، وعلى الاتفاق لا الافتراق. وحين يُقال إن منصب رئيس الأركان يجب أن يكون للكرد، فإن المقصود ليس تكريس هوية قومية للمنصب، بل تثبيت مبدأ دستوري يقوم على الشراكة الفعلية في مفاصل القرار الأمني والعسكري. فالقوات المسلحة ليست مجرد مؤسسة قتالية، بل هي رمز السيادة، ومرآة العقد الاجتماعي.
إن إعادة هذا المنصب إلى المكوّن الكردي يمكن أن تُقرأ في سياقين متكاملين وهما السياق الدستوري في احترام مبدأ تمثيل المكونات في المؤسسات السيادية، بما يعزز وحدة الدولة الاتحادية. والثاني هو السياق الوطني.. في تعزيز الثقة بين بغداد وأربيل، وترسيخ شعور الانتماء المشترك للمؤسسة العسكرية باعتبارها مؤسسة لكل العراقيين.
فالدولة التي تتسع للجميع، تقوى بالجميع. والمنصب الذي يقوم على الاتفاق، يحمي البلاد من الاختناق. ومن هنا فإن المطالبة بأن يكون منصب رئيس الأركان من حصة الكرد ليست مطالبة فئوية، بل قراءة في روح الدستور، واستعادة لركنٍ من أركان التوازن.
بين الرُّكن والرُّكون فرقٌ كبير؛ فالرُّكن قيامٌ وثبات، أما الرُّكون فميلٌ وارتخاء. والدولة التي تريد الثبات لا يجوز لها أن تركن إلى التأجيل أو التبرير، بل أن تعود إلى أصل الفلسفة التي قامت عليها: شراكة في النص، وعدالة في المنصب، ووحدة في الهدف.
وهكذا يبقى السؤال معلقاً لا للاختلاف، بل للاتفاق؛ ألسنا جميعاً شركاء في هذا الوطن؟ فإذا كان الجواب نعم، فلتكن القيادة انعكاساً صادقاً لهذه الشراكة، وليكن رئيس الأركان عنوان توازنٍ لا عنوان تنازع.