شيرزاد نايف/ دهوك
في واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تختصر التاريخ في جملة، قال الشاعر العربي محمود درويش في لقاء مع مذيعة إسرائيلية إن الاهتمام الذي يوليه العالم لليهود جعلهم، بطريقة غير مباشرة، سبباً في شهرة العرب والمسلمين. وعندما سألته المذيعة بنبرة استغراب: “هل يعني هذا أن اليهود بمثابة وزارة إعلام لكم؟” أجاب: “نعم، أنتم احتللتمونا، ولكنكم أشهرتمونا”. أذا ليست المسألة هنا توثيق العبارة بقدر ما هي استلهام الفكرة أن الصراع، على قسوته، قد يتحول إلى أداة تعريف، وأن الخصم؛ من حيث لا يدري يكتب سطوراً في قصة الآخر.
من هذا الباب، يمكن قراءة حكاية كردستان. تلك الجغرافيا التي قُسّمت سياسياً، لكنها ظلت متماسكة وجدانياً، لم تكن يوماً هامشاً صامتاً. بل إن كثافة الاهتمام بها – صراعاً، قمعاً، تفاوضاً، وتحالفاً – جعلتها حاضرة في خرائط السياسة الدولية أكثر مما كان يُراد لها. وكأن القوى التي تنافست على ضبطها، إنما ساهمت في إبرازها.
هنا يظهر المجاز.. “وزارة الإعلام الكردستانية”. ليس بوصفها مؤسسة قائمة، ولا دعوة لإنشائها، فالأطر الدستورية لا تسمح بذلك ضمن كيان اتحادي كالعراق، بل بوصفها فكرة رمزية. فكرة تقول إن الاهتمام المفرط، حتى لو كان بدوافع السيطرة، يتحول إلى دعاية غير مباشرة. وكأن التاريخ نفسه يتولى وظيفة الإعلان، لا بإرادة الكرد وحدهم، بل بتشابك إرادات الآخرين معهم.
لقد كتب الفيلسوف الألماني هيغل أن “الصراع هو محرك التاريخ”، فيما رأى نيتشه أن “ما لا يقتلني يجعلني أقوى”. وبين هاتين العبارتين، يمكن قراءة التجربة الكردية؛ صراع لم يُلغِ الهوية، بل صقلها؛ وضغط لم يُطفئ الصوت، بل منحه حدةً ووضوحاً. أما حنا أرندت، فقد حذّرت من أن غياب الاعتراف هو شكل من أشكال الإلغاء، لكن مفارقة العصر أن الاعتراف قد يأتي أحياناً من قلب النزاع ذاته.
في السنوات الأخيرة، شهدت كردستان وخاصة إقليمها ضمن العراق – تحولات لافتة مثل الحضور السياسي الأكثر تماسكاً داخل المعادلة العراقية،
دور أمني وعسكري بارز في مواجهة التحديات الإقليمية، انفتاح اقتصادي نسبي، رغم التعقيدات
واهتمام دولي مستمر، يضعها في قلب التوازنات لا على هامشها
هذا الحضور لم يأتِ من فراغ، ولم يكن نتيجة عامل واحد، بل هو تراكم تاريخي بين الفعل الكردي والرد عليه. بين الإرادة الداخلية والضغط الخارجي. وكأن كل محاولة لتطويق القضية، كانت – من زاوية أخرى – توسّع إطارها.
لكن، ومع كل هذا، لا ينبغي أن يُفهم المجاز على أنه تمجيد للصراع أو تبرير له. فالفلسفة السياسية الحديثة، من جون رولز إلى أمارتيا سن، تؤكد أن العدالة الحقيقية لا تُبنى على استدامة النزاع، بل على الاعتراف المتبادل والإنصاف. وأن المجتمعات التي تتعلم من آلامها، هي وحدها القادرة على تجاوزها.
اليوم، ونحن في عام 2026، لم يعد العالم يحتمل إعادة إنتاج الانقسامات القديمة. لقد تقاطعت الثقافات، وتشابكت المصالح، وتداخلت الهويات. وفي هذه المنطقة تحديداً، حيث الدين واحد في جوهره، والثقافة متقاربة في عمقها، والتجارب المؤلمة مشتركة في ذاكرتها، يصبح من غير المنطقي الاستمرار في دوائر الشك والخصومة.
المنطق الإنساني الأعمق يقول أن يعيش الناس معاً، لا رغم اختلافهم، بل به. أن يتحول الألم المشترك إلى جسر، لا إلى جدار. وأن يدرك الجميع أن نصرة الإنسان لأخيه، لا تعني الوقوف معه في خطئه، بل منعه عنه، والوقوف إلى جانبه في ضعفه.
هكذا فقط، يمكن أن تتحول “وزارة الإعلام” المجازية من نتاج صراع، إلى أثرٍ من آثار التلاقي. وهكذا فقط، يصبح الحضور في العالم نتيجة إنجاز، لا نتيجة نزاع.