شرعية الضجيج

نور عبدالستار احمد

باتت المنصّة تمنح لمن لا يملك المعنى أما أنا فلا أبحث عن مجتمعٍ بلا عيوب، فذلك وهمٌ أخلاقي لا وجود له، بل أبحث عن مجتمعٍ يعرف أيّ عيبٍ يُعرض وأيّ عيبٍ يُعالج في الخفاء. فليس كل ما يُكتشف يُعلن، وهنا تحديداً تتعثر وظيفة الإعلام حين يخلط بين النقد والسخرية ، وبين كشف الخلل وتدوير الرداءة لقد تحول جزءٌ كبير من إعلامنا إلى مرآة مكسورة لا تعكس الواقع كما هو ، بل تشوّهه ، وتعيد تقديمه بصورة مبتذلة، حتى باتت التفاهة حدثاً والضجيج إنجازاً والفراغ فكراً ، اصبحنا نرى وجوهاً تتكرر بلا مضمون ، وأصواتاً تُرفع لأنها الأعلى لا لأنها الأصدق، بينما تُدفن العقول الهادئة في هوامش لاتلتفت إليها الكاميرات.أنا لا أدعو إلى تلميعٍ كاذب، ولا إلى صمتٍ متواطئ، بل إلى وعي انتقائي شجاع ، فنُصلح ما يسيء إلينا دون أن نحوله إلى مادة استهلاك يومي، ونُبرز مايُنقذ صورتنا قبل أن نغرق في تعداد إخفاقاتنا فالأمم لاتُبنى بكشف جراحها على الهواء، بل بمعالجتها ثم تقديم الشفاء كدرس ،العراق لا يعاني من فقر في القيم، بل من فقر في المنصات التي تُنصت له ويعاني من وفرة الأصوات، وندرة المعنى ومن إعلام يلهث خلف الترند، وينسى أن مهمته الأولى ليست التسلية بل التوجيه،ولا الصدمة بل بناء الذائقة العامة. إن أخطر مانواجهه اليوم ليس ما يُقال، بل من يُسمح له أن يقول ، وحين تُمنَح المساحة لغير المؤهل، فإن الضرر لايكون في كلامه وحده، بل في تغييب من كان ينبغي أن يتكلم ،عندها يصبح الصمتُ وطنياً والكلامُ عبثاً وتختل الموازين دون أن نشعر ، ويبقى السؤال اما آنَ للمجتمع أن يتطهر من معايبه ؟!

قد يعجبك ايضا