نيجيرفان بارزاني… مُستردُّ الأرواح وحارسُ فرحة الإيزيديات في عيدهنَّ الكبير

فينوس بابان
 
في قلب كل أربعاء أحمر (سر صال) تشرق شمس الوجود الإيزيدي من فوق قمم جبال كوردستان لتعلن انبعاث الخليقة وتجدد الحياة، لكن هذا العيد في وجدان الإقليم والعالم بات يحمل صبغةً إنسانيةً أعمق ترتبط برجلٍ جعل من مأساة هذا المكون الأصيل قضية شرفٍ ووجود السيد نيجيرفان بارزانيالذي لم يكتفِ بدور القائد السياسي أمام واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث بل تحول إلى مظلة أمانٍ ومهندسٍ لأكبر عملية إنقاذ أرواح شهدتها المنطقة. فبينما كان العالم يرقب بصدمةٍ صمتَ الضمير الدولي أمام سبي النساء الإيزيديات وتحطيم إنسان شنكالكان السيد نيجيرفان بارزاني يخطُّ بقراره التاريخي في أكتوبر 2014 تأسيس مكتب إنقاذ المختطفين في دهوك، والذي تحول بتمويلٍ ودعمٍ مباشر منه إلى جسرٍ سريٍ وعلنيٍ انتزع حتى الآن أكثر من 3,550 ناجٍ وناجية من براثن الظلام، ليعيدهم إلى كنف الكرامة والحياة إن هذا الرقم ليس مجرد إحصائية بل هو حياة آلاف العوائل التي استردت نبضها بفضل ملاحقةٍ دؤوبة وإرادةٍ لا تلين إيماناً منه بأن العِرض المصون هو أساس الأرض المحمية.
بالتحليل العميق لهذا المسار نجد أن رؤية نيجيرفان بارزاني لم تقف عند حدود الإغاثة بل انتقلت بذكاء إلى المأسسة القانونية والعدالة الدولية فمنذ عام 2010 حين قرر كرئيس للحكومة اعتبار الأربعاء الأحمر عطلة رسمية، وضع حجر الأساس للاعتراف بالهوية الإيزيدية كجزء سيادي من كيان كوردستان وتوج هذا المسار بدفعه لبرلمان كوردستان في أغسطس 2019 للتصويت بالإجماع على اعتبار جرائم شنكال إبادة جماعية (Genocide). هذا القرار المحلي لم يكن رمزياً بل كان المفتاح الدبلوماسي الذي حمله نيجيرفان بارزاني في جولات مكوكية بين عواصم القرار العالمي من باريس إلى برلين محركاً الضمير الدولي الذي أثمر عن اعتراف برلمانات ألمانيا وبريطانيا والبرلمان الأوروبي بهذه الإبادة مما حوّل وجع الناجيات إلى استحقاق قانوني دولي لا يسخط بالتقادم.
وعلى مستوى الأرض برز دور نيجيرفان بارزاني وقيادة إقليم كوردستان كضمانة استقرار عبر هندسة اتفاقية شنكال في أكتوبر 2020 إن التحليل السياسي لهذه الاتفاقية يكشف عن إصرار القيادة على تطبيع الأوضاع وإخراج الجماعات المسلحة غير القانونية، لضمان عودة كريمة وآمنة للنازحين إلى ديارهم إن رؤيته التي تتجاوز السياسة ربطت بين حق العودة وبين صون الكرامة مؤكداً أن التعايش لا يمكن أن يزدهر في ظل وجود سلاح خارج إطار الدولة وأن استعادة شنكال لأهلها هي جوهر السيادة الكوردستانية.
إن هذا الحرص الإنساني والسياسي يثبت أن الإيزيدية في فكر نيجيرفان بارزاني هي جوهر الروح الكوردستانية وكما قال في إحدى كلماته المؤثرة “سنبقى معكم، ولن يهدأ لنا بال حتى يعود آخر مختطف ومختطفة، ففرحة الإيزيديين هي فرحتنا، وجرحهم هو جرح كوردستان النازف”. إن هذا الالتزام هو الذي جعل من إقليم كوردستان واحةً للدبلوماسية الإنسانية حيث تلتقي قدسية معبد لالش بهيبة الدولة وقوة القانون ويتحول قرار العطلة الرسمية إلى رسالة فخر واعتزاز بالتنوع الديني والعرقي تحت ظل راية إقليم كوردستان.

 
 
 
وفي هذا العام ورغم أن الظروف الصعبة والقيود الأمنية قد تحول دون إقامة المراسيم الكبرى المعتادة إلا أن جوهر الأربعاء الأحمر يظل حياً ونابضاً في كل بيت إيزيدي فالعيد الحقيقي اليوم ليس في الميادين بل في تلك الشعلة التي تُوقد داخل قلوب الناجيات والناجين هي شعلة الحرية التي نفخ فيها نيجيرفان بارزاني من روح إصراره لتظل متقدة رغم كل التحديات مؤكدة أن كرامة الإنسان الكوردستاني أقوى من كل الظروف الطارئة.
وفي الختام يظل الأربعاء الأحمر شاهداً حياً على أن الإنسانية تنتصر حين يمتلك القائد شجاعة الموقف وحنان الأب فغداً حين تُوقد شموع الوفاء في بيوت الناجياتوتتعالى ضحكات الأطفال الذين استردوا حضن أمهاتهم بفضل مكتب الإنقاذ سيتذكر الجميع أن نيجيرفان بارزاني كان الفجر الذي بدد ليل شنكال الطويل إنها ملحمةُ وفاءٍ تقول للعالم إن كوردستان التي تحمي العرض وتصون الأرض ستبقى وطناً يجمع شتات القلوب ومدرسةً في الإخاء يعلّم فيها نيجيرفان بارزاني البشريةَ أن القيادة الحقيقية هي أن تزرع الأمل في العيون التي أطفأها الوجع وأن تجعل من دموع المظلومين شموعاً تضيء دروب السلام والحرية للأبد.

قد يعجبك ايضا