الأنفال… ذاكرة أمة وجريمة لا تسقط بالتقادم

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي

في كل عام، يعود وجعٌ لا يشيخ، وتعود معه ذاكرةٌ مثقلةٌ بالدموع والرماد، لنستذكر فاجعة حملات الأنفال المشؤومة؛ تلك الجريمة التي لم تكن مجرد حدث عابر في تاريخ العراق، بل صفحة سوداء محفورة بدماء الأبرياء، ووصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء. لقد كانت الأنفال واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي ارتكبها النظام العراقي السابق بحق شعب كوردستان، جريمة خطط لها بعناية ونُفِّذت بوحشية، واستهدفت الإنسان والأرض والهوية في آنٍ واحد.
لم تكن الأنفال مجرد عمليات عسكرية، بل كانت مشروع إبادة متكامل الأركان. قرى أُحرقت عن بكرة أبيها، آلاف العائلات اقتُلعت من جذورها، أطفالٌ شُرِّدوا أو دُفنوا أحياء، نساءٌ فُجعت قلوبهن بفقد الأزواج والأبناء، وشيوخٌ طواهم النسيان في صحارى الموت والمقابر الجماعية. أكثر من مئة ألف إنسان اختفوا في ظلام تلك الحملة، تاركين وراءهم حكايات لم تُروَ بعد، وقلوباً لم تندمل جراحها حتى اليوم.
لقد كانت الأنفال جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس؛ جريمة لم تستهدف شعباً بعينه فحسب، بل استهدفت القيم الإنسانية ذاتها. فالغازات السامة التي أُطلقت، والقرى التي مُسحت من الوجود، والمقابر الجماعية التي ما تزال تُكتشف حتى اليوم، كلها شواهد حية على حجم الكارثة التي أراد منفذوها أن يطمسوها مع الزمن، لكن الذاكرة كانت أقوى من النسيان.
إن استذكار الأنفال ليس مجرد طقس سنوي للحزن، بل هو مسؤولية أخلاقية وتاريخية وإنسانية. هو تأكيد على أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة وإن تأخرت لا بد أن تتحقق، وأن إنصاف الضحايا واجب لا يقبل المساومة أو الإهمال. فالأمم التي لا تحفظ ذاكرتها، مهددة بتكرار مآسيها.
لقد أثبت شعب كوردستان، رغم حجم الفاجعة، أنه شعبٌ قادر على النهوض من تحت الركام. فبعد سنوات الألم والدمار، عاد ليبني ويعمر ويزرع الأمل في أرضٍ سُقيت بدماء الشهداء. إن صمود هذا الشعب هو رسالة حياة في وجه الموت، ورسالة سلام في وجه الحقد، ودليل على أن إرادة الحياة أقوى من كل محاولات الإبادة.
واليوم، ونحن نستذكر الأنفال، فإننا لا نستدعي الحزن وحده، بل نستدعي العبرة أيضاً. العبرة بأن الكراهية والعنصرية لا تجلب سوى الخراب، وأن التعايش والعدالة والمساواة هي الطريق الوحيد لبناء مستقبل آمن لجميع شعوب العراق والمنطقة. إن الوفاء لضحايا الأنفال لا يكون بالبكاء فقط، بل بالعمل على ترسيخ قيم العدالة وحقوق الإنسان، وبمنع تكرار مثل هذه الجرائم في أي مكان من العالم.
إن الأنفال ليست ذكرى كوردية فحسب، بل هي قضية إنسانية عالمية، وجرس إنذار دائم يذكّرنا بأن الصمت على الظلم هو شراكة فيه، وأن حماية الكرامة الإنسانية مسؤولية مشتركة لا تتجزأ.
سلامٌ على أرواح الشهداء الذين رحلوا،
وصبرٌ لعائلاتٍ ما زالت تنتظر العدالة،
ووعدٌ بأن تبقى الذاكرة حيّة… حتى لا تتكرر المأساة.

قد يعجبك ايضا