أ.د.خليل مصطفى عثمان
في الرابع عشر من نيسان، نستذكر الجرح الذي لم يندمل والصرخة التي لا تزال تتردد في أودية كوردستان؛ إن ذكرى “عمليات الأنفال” ليست مجرد مناسبة عابرة للبكاء على الأطلال، بل هي وقفة مكاشفة ضرورية مع الضمير الإنساني والسياسي الذي خذل شعباً بأكمله في لحظة فارقة من التاريخ.
إن هذه الحملة الممنهجة لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت محاولة واضحة لإلغاء وجود شعب من خارطة الحياة، حيث خلّفت وراءها أكثر من 182,000 إنسان غُيّبوا في غياهب المقابر الجماعية، وقرىً سُويت بالأرض في أبشع صور الإبادة الجماعية التي عرفها العصر الحديث.
إن النقد الأول في هذه الذكرى يجب أن يتجه مباشرة إلى بنية الدولة العراقية التي سمحت يوماً لماكنتها العسكرية أن تتحول إلى أداة للموت، ورغم التغيير السياسي الذي شهده العراق بعد عام 2003، إلا أن الحكومات المتعاقبة في بغداد لم ترتقِ بمواقفها إلى مستوى الفاجعة؛ ففي الوقت الذي اعترفت فيه المحاكم بجريمة “الأنفال” كإبادة جماعية، بقي هذا الاعتراف حبيس الورق دون جهد حقيقي لتطهير مؤسسات الدولة من الفكر الشوفيني الذي أنتج تلك الجرائم، مما جعل الخطاب الرسمي يبدو باهتاً وخالياً من روح المسؤولية التاريخية.
بالتوازي مع ذلك، لا يمكننا الحديث عن الأنفال دون توجيه نقد لاذع لما يسمى “العالم المتمدن” الذي وقف متفرجاً حين كانت الغازات الكيماوية تخنق الأطفال وتنهب القرى، إن صمت القوى الدولية آنذاك، وتزويد النظام السابق بوسائل الدمار، يضع المجتمع الدولي في خانة الشريك الأخلاقي، حيث أثبتت تلك الحقبة أن المصالح الاقتصادية والسياسية كانت تتقدم دائماً على دماء الأبرياء، وهو صمتٌ ما زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم بغياب الضمانات الدولية الكافية لمنع تكرار المأساة.
وعلى الصعيد الداخلي، يبرز جرح مفتوح يتمثل في إهمال الحكومة العراقية لملف التعويضات المادية والمعنوية، فمن المخجل أنه وبعد مرور عقود، لا يزال ذوو المؤنفلين يعيشون مرارة العوز النفسي والمادي، وسط تلكؤ حكومي واضح في إعادة إعمار المناطق المدمرة أو البحث الجاد عن رفات الضحايا في صحارى الوسط والجنوب، إن ترك هذا الجرح بلا تداوٍ حقيقي ليس مجرد إهمال إداري، بل هو استمرار في نهج التهميش وإهانة صريحة لكرامة الناجين الذين انتظروا من “العراق الجديد” إنصافاً لم يأتِ بعد.
إن الخطورة الحقيقية تكمن في أن التهديد ضد الشعب الكوردي ما زال قائماً ولم يصبح جزءاً من التاريخ فحسب؛ فالذهنية التي أنتجت الأنفال ما زالت تطل برأسها عبر سياسات التغيير الديموغرافي والخطابات التحريضية التي تظهر في الأزمات السياسية، وطالما أن هناك أطرافاً ترفض الاعتراف بالحقوق الدستورية والقومية لشعب كوردستان، فإن شبح الإبادة سيبقى يحوم في الأفق بأشكال مختلفة، سواء كانت ضغوطاً اقتصادية أو تهديدات أمنية تستهدف كيان الإقليم ووجوده.
أما الحل، فلا يمكن أن يكون بترديد الشعارات، بل يتطلب خارطة طريق تبدأ بتقديم الدولة العراقية اعتذاراً رسمياً وشاملاً يتبعه تنفيذ فوري لالتزاماتها في تعويض المتضررين، والعمل الجاد على تدويل القضية لانتزاع اعتراف أممي يضمن حماية دولية لشعب كوردستان، كما يجب ترسيخ النظام الفيدرالي وتقوية كيان الإقليم كضمانة وجودية وحيدة، مع ضرورة إصلاح المناهج التعليمية في العراق لتجريم الفكر الذي أنتج الأنفال، لضمان بناء مستقبل يقوم على الشراكة الحقيقية لا على منطق القوة والإبادة.