إبراهيم أدهم الزهاوي.. شاعر الألم الذي لم تنطفئ في صدره نار الوطن

محمد علي محيي الدين

وُلِد الشاعر والكاتب إبراهيم أدهم الزهاوي في بغداد في أسرة عُرفت بالعلم والأدب، أسرةٍ تتابعت فيها الأسماء اللامعة من العلماء والشعراء، حتى غدت أشبه ببيتٍ يتوارث الكلمة كما يتوارث النسب. وفي هذا المناخ الثقافي نما الفتى وتفتحت موهبته، فنهل من مجالس أسرته، وتعلّم على أقطابها، ثم مضى في دراسته النظامية حتى بلغ مرحلة الثانوية، قبل أن يتابع تحصيله العلمي في جامعة آل البيت، حيث ازدادت معارفه اتساعًا واشتد عوده الأدبي والفكري.

ينتمي إبراهيم أدهم الزهاوي إلى بيتٍ عريق النسب، فهو إبراهيم بن أدهم بن محمد صالح بن محمد فيضي الزهاوي، بن الملا أحمد بن حسن بك بن رستم بن كيخسرو بن الأمير سليمان بن أحمد بك بن بوراق بك بن خضر بك بن حسين بك بن الأمير سليمان الكبير، رئيس الأسرة البابانية. وقد خلد التاريخ اسم هذه الأسرة حين أنشأ حفيد الأمير سليمان، إبراهيم باشا بابان، مدينة السليمانية وسماها باسم جده سليمان. كما تُنسب الأسرة في جذورها البعيدة إلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد. ومن هذا البيت ذاته خرج الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي، الذي كان عمَّ إبراهيم فيضي، فكان لذلك الإرث الثقافي العميق أثره البالغ في تكوين شخصيته الشعرية والفكرية.

منذ شبابه المبكر عُرف الزهاوي بحدة شعوره الوطني، وبقصائده التي كانت تضطرم بالحماسة القومية. لم يكن الشعر عنده ترفًا لغويًا أو انشغالًا فنيًا معزولًا عن الواقع، بل كان سلاحًا يواجه به الظلم، وصوتًا يعبّر به عن آلام الناس وآمالهم. لذلك لم يتردد في توجيه نقده الصريح إلى السلطات الحاكمة، ولم يتورع عن تناول أقطاب الحكم، وفي مقدمتهم البيت المالك، فكان شعره بمثابة شرارة تثير الحماسة في نفوس المواطنين وتوقظ فيهم روح الاحتجاج والرفض.

وقد دفع ثمن هذا الموقف باهظًا؛ إذ لاحقته السلطة وطاردته غير مرة، وتعرض للاعتقال والتعذيب القاسي. ولم تقف المعاناة عند حدود السجن والملاحقة، بل ترك التعذيب آثاره المروعة في جسده، فكُسر فكه الأسفل وأصيب بشلل لازمَه بقية حياته، فضلًا عما أصابه من أمراض عصبية أثقلت أيامه. ومع هذه الآلام الجسدية والنفسية آثر العزلة، فابتعد عن الناس، وصار يميل إلى الانفراد بنفسه، وكأن الصمت صار ملاذه بعد أن أنهكه الصراع الطويل.

وقد وصفه صاحب كتاب «شعراء بغداد» بعبارة تكشف عن طبيعة شخصيته المتمردة، إذ قال إنه كان من أعنف الشباب الذين تقمصوا الوطنية وأشعلوا الحماسة في نفوس المواطنين بالقصائد اللاهبة، حتى أصبح هدفًا لبطش السلطة وملاحقتها.

وعلى الرغم من قصر حياته المضطربة نسبيًا، فقد خلّف آثارًا فكرية وأدبية تدل على سعة اهتمامه وتنوع ميوله. من أبرز مؤلفاته كتاب في الفلسفة بعنوان «اللانهاية»، طبعه في القاهرة سنة 1947، وهو كتاب يكشف عن انشغاله بالقضايا الفكرية الكبرى، ومحاولته النظر في أسئلة الوجود والكون من زاوية فلسفية. كما ترك شعرًا كثيرًا تفرق في الصحف والمجلات، قبل أن يجمعه ويحققه الباحث العراقي عبد الله الجبوري في ديوان صدر لاحقًا، فأنقذ بذلك جانبًا مهمًا من تراثه الشعري من الضياع.

ومن آثاره كذلك كتاب «أبطال اللانهاية»، وهو نص يجمع بين النزعة الفكرية والتأمل الفلسفي، ويكشف عن شخصية تبحث في المعنى الكامن وراء الوجود الإنساني. وقد كُتب عن الزهاوي في عدد من المصادر الأدبية، فذكره المؤرخ والأديب علي الخاقاني في كتابه «شعراء الغري»، كما أورده المؤرخ خير الدين الزركلي في موسوعته المعروفة «الأعلام»، وهي إشارات تدل على مكانته بين شعراء عصره.

وهكذا تبدو سيرة إبراهيم فيضي الزهاوي صورة لشاعرٍ لم يكن الشعر عنده زينة لفظية، بل كان قدرًا من أقدار الحياة. عاش مطاردًا بسبب كلمته، ودفع من جسده ثمن صراحته، لكنه ظل في الذاكرة مثالًا للشاعر الذي آمن بأن الكلمة الحرة قادرة على أن تقاوم الطغيان، حتى لو دفعت ثمنها ألمًا ووحدةً وعمرًا مثقلًا بالجراح.

قد يعجبك ايضا