سمير ميراني
ليس أخطر القهر ما يمارس بالسيف، بل ما يمارس باسم الشراكة.
في غابر الأزمان، حين كان الإكراه يجاهر بنفسه ويخرج إلى الميادين شامخ الرأس، كان الطاغي يعلم أنه طاغٍ، والمقهور يعلم بمن يُقهر، والناظر يعلم ما الذي ينظر إليه، كانت القسوة فجّة، لكنها على الأقل أمينة في فجاجتها، مكشوفة في عريها أمام الناس والتاريخ.
أما اليوم في عصر يتشدق بالنهضة والحداثة ويرفع راية التعايش السلمي شعاراً ومنهجاً، فقد تبدلت الأقنعة وتعددت الحجب، وأصبح الإكراه يسير بيننا مرفوع الرأس، يرتدي ثوب الحوار ويتلفع بخطاب المواطنة والشراكة، وهو في باطنه أشد عتواً وأكثر إيلاماً مما سبقه.
لقد انتقلت أساليب الإذلال السياسي من ساحات القتال المكشوفة إلى استوديوهات الإعلام المكيفة ، ومن حد السيف إلى حد الكلمة الموجهة والرواية المفبركة بعناية فائقة، وأصبحت المنابر المرئية والمسموعة، بعتيقها وحديثها، سلاحاً مصوباً نحو عقول الناس وضمائرهم، وإن كان سلاح الحديد يُدمي الجسد، فإن هذا يُدمي الكرامة والوجدان، وربما كان الثاني أشد إيلاماً وأبطأ شفاءً، والغاية في كلتا الحالتين واحدة لا تتبدل عبر الحقب، كسر إرادة الشريك في الكيان، وتحطيم اعتباره أمام نفسه وأمام العالم، حتى يصبح الجميع شاهداً على هزيمته لا على ظلامته.
إن استغلال الطرف المهيمن لأدوات القوة في إكراه شريكه وفرض سيطرته، ليس ظاهرة سياسية وحسب، بل هو مرض عضوي يسري في دم المؤسسات ويُفسد جوهر الشراكة من أساسها، وحين توظف مؤسسات الدولة ، تلك التي قامت في الأصل لصون الجميع وتحقيق التوازن بين مكوناتهم، في خدمة إرادة طرف خارجي يُحرك خيوط اللعبة من وراء الستار ويرسم الخارطة وفق مصالحه الضيقة، فإن الشراكة تغدو وهماً مزيفاً والتوازن يغدو أثراً بعد عين، والكيان الجامع لا يستقيم ولا يصمد إلا بتوازن حقيقي بين شركائه، فإذا اختل هذا التوازن انهار البنيان من داخله قبل أن يُهدم من خارجه.
والأشد غدراً في هذا النهج المدبَّر أن القهر يأتي مغلَّفاً تارةً بثوب القومية ومشاعر الانتماء، وتارةً أخرى بعباءة الدين ومقتضيات العقيدة، فيصعب على الناظر من بُعد أن يميّز بين الحق المزعوم والباطل المزخرف، غير أن هذا التغليف بعينه هو أشد درجات القسوة وأبشعها، لأن فيه استغلالاً لأقدس ما يحمله الإنسان في صدره، ليغدو وقوداً في آلة من لا يؤمن بشيء إلا بمقدار ما يخدم نفوذه.
وخلف هذا المشهد كله تقف قوة خفية ترعى الجناة وتمنحهم السيادة الموهومة، فيما تضع العقبات تلو العقبات في طريق الشريك المظلوم، حتى توصله إلى مرحلة العجز وتحطيم الشخصية، وإخراجه من دائرة الفعل السياسي والاجتماعي نهائياً.
هذه التصرفات الرعناء التي يمارسها الحاقدون المتربعون على مصالح الشعوب، لا تُنتج في نهاية المطاف سوى مزيد من الحقد والكراهية المتراكمة بين الشعوب المتجاورة، فمن مبدأ الكرامة الإنسانية والحرية الفطرية، لا أحد يقبل القهر المفروض عليه بأدوات دولةٍ أسهم في بنائها ودفع من روحه ودمه ثمناً لصونها، وما يولّده هذا القهر الممنهج من شعور بالغبن، يكرِّس في نفس الطرف المقهور حقاً مشروعاً في استعادة ما انتزع منه، وهو ما يفضي حتماً إلى تصدعات عميقة وبذور نزاعات لا تحمد عقباها، تنتهي في الغالب بمطالبات تتجاوز حدود الشراكة إلى ما هو أبعد وأوسع.
ويزداد المشهد قتامةً حين يدرك المرء أن المجتمع الدولي يرقب هذه الفصول المؤلمة بعيون مفتوحة، صامتاً حيناً وخبيثاً حيناً آخر، ساخراً في أحيان لا تخفى على ذي بصيرة، وهذا هو الجانب الأكثر ظلمةً في السياسة الدولية، حيث تُحوَّل المأساة الإنسانية إلى ورقة ضغط، وتستثمر المعاناة الحية للشعوب سلاحاً في معارك المصالح والنفوذ.
إن للتاريخ ذاكرة لا تخون ومحكمة لا تنام، وقد جرت سُنَّته أن كل بنيان شيد على قهر شريكه لم يصمد طويلاً، وكل إرادة أُريد لها الانكسار وجدت في صميم جرحها بذرة نهوضها، والشعوب التي عرفت عبر الحقب بأنها تحمل تاريخها في عظامها لا في كتبها، لا تُهزم إلا حين تختار هي ذلك، فليسمع إذن من يظنون أن أدوات الدولة المستعارة والرعاية الخفية من وراء الحدود تمنحهم سيادةً أبدية، أن الشريك الذي يمارس بحقه هذا القهر ليس مجهول السيرة ولا قصير الذاكرة، وليس من طبعه أن يقبل بكسر إرادته أو أن يُسلِّم وجهه لمن لم يعرفوا من السياسة إلا ما صنعه لهم غيرهم، فليسألوا الرياح عن مصير من سبقوهم ممن ظنوا الظن ذاته، وغادروا المشهد قبل أن يكتمل، تاركين خلفهم لا إرثاً بل عبرة.