من أجل غدٍ يتسع للجميع التآخي بوابة العبور نحو الاستقرار

نوري جاسم

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتزاحم فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا بإلحاح: كيف يمكن للمجتمعات أن تعبر من ضيق الواقع إلى سعة المستقبل؟ وكيف يمكن للوطن أن يحتضن جميع أبنائه دون استثناء أو إقصاء؟

إن الإجابة، رغم تعقيدها، تبدأ من مفهوم بسيط في لفظه، عظيم في أثره، وهو ان التآخي ليس شعارًا عاطفيًا يُرفع في المناسبات، ولا خطابًا إنشائيًا يُستهلك في وسائل الإعلام، بل هو مشروع وعي وسلوك، وثقافة حياة تقوم على الاعتراف بالآخر، واحترام تنوعه، والإيمان بأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل مصدر غنى وقوة.

ولقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تُبنى على الإقصاء والتهميش سرعان ما تتآكل من الداخل، مهما امتلكت من مقومات القوة. في المقابل، فإن المجتمعات التي تتبنى مبدأ التآخي، وتجعله قاعدة في التعامل بين مكوناتها، تكون أكثر قدرة على الصمود، وأقرب إلى تحقيق الاستقرار الحقيقي.

والتآخي يعني أن يرى الإنسان في أخيه الإنسان امتدادًا لذاته، لا منافسًا له. يعني أن تتحول العلاقة من صراع على المصالح إلى تكامل في الأدوار، ومن خوف متبادل إلى ثقة متبادلة. وحين تسود هذه الروح، يصبح الوطن فضاءً مشتركًا، لا ساحة نزاع.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم، ليس في قلة الموارد، ولا في ضعف الإمكانيات، بل في غياب هذا الوعي الجامع الذي يربط بين أفرادها بروابط إنسانية صادقة. فكم من أمةٍ فقيرة استطاعت أن تنهض بوحدة أبنائها، وكم من أمةٍ غنية تعثرت بسبب انقساماتها.

وإن بناء غدٍ يتسع للجميع يتطلب إعادة النظر في منظومة القيم التي تحكم سلوكنا الفردي والجماعي. يبدأ ذلك من الأسرة، حيث تُزرع بذور التسامح، ويمتد إلى المدرسة، حيث يُصاغ وعي الأجيال، ويترسخ في مؤسسات الدولة، حيث تتحول العدالة إلى ممارسة لا إلى شعار.

كما أن للإعلام دورًا محوريًا في ترسيخ ثقافة التآخي، من خلال تقديم خطاب معتدل، يعزز المشتركات، ويبتعد عن تأجيج الخلافات. فالكلمة، كما تبني، قد تهدم، وكما توحد، قد تفرق. وإننا اليوم أحوج ما نكون إلى خطاب جديد، يتجاوز لغة الانقسام، ويؤسس لمرحلة قوامها الشراكة الحقيقية بين جميع مكونات المجتمع.

خطاب يعلي من قيمة الإنسان، ويضع كرامته فوق كل اعتبار، ويؤمن بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالثقة. وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن التآخي لا يعني إلغاء الخصوصيات، ولا تذويب الهويات، بل يعني إدارتها ضمن إطار وطني جامع، يحفظ للجميع حقوقهم، ويمنحهم شعور الانتماء الحقيقي.

وإن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر السياسات وحدها، بل عبر القلوب أيضًا. فحين تتصافى النفوس، وتتقارب الرؤى، يصبح من الممكن تجاوز أعقد الأزمات، وبناء مستقبل يليق بالجميع. وختامًا، فإن التآخي ليس خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة وجودية، إذا أردنا أن نصنع غدًا يتسع للجميع.

هو الجسر الذي نعبر به من حاضرٍ مثقل بالتحديات، إلى مستقبلٍ مشرق بالأمل. فلنمدّ أيدينا لبعضنا، ولنؤمن أن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا، وأن الوطن لا يكتمل إلا بجميع أبنائه. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

قد يعجبك ايضا