أحمد الزبير باني
لم يكن التاسع من نيسان عام 2003 مجرد لحظةٍ ميكانيكيةٍ هوى فيها تمثالٌ من برونز، بل كان صرخةَ “زلزالٍ وجودي” أعلنت نهاية حقبةٍ أرادت اختزال الوطن في “زيٍّ عسكري” واحد، واختصار التعددية في “حنجرة” واحدة. اليوم، وبعد مرور ثلاثةٍ وعشرين عامًا، لا نحيي ذكرى سقوط نظام فحسب، بل نستحضر لحظة “الاسترداد الكبرى” لهوية الإنسان التي حاول الاستبداد صهرها في فرن المركزية المتصلبة.
أولًا: الجرح الكوردي.. من الرماد إلى الإرادة
لا يمكن قراءة التاسع من نيسان دون التوقف عند المحطة الأكثر وجعًا وصلابة: محطة الشعب الكوردي، الذي كان “المختبر الأول” لبشاعة الدكتاتورية. لقد مُورس بحق الكورد ظلمٌ قلّ نظيره في التاريخ المعاصر؛ من محاولات صهر الهوية إلى حملات الإبادة الجماعية (الأنفال)، وصولًا إلى خنق الحياة بالسلاح الكيمياوي. ومع ذلك، سجّل التاريخ حقيقةً كبرى: أن إرادة وصمود الشعب الكوردي كانا أقوى من آلة القتل، وأصلب من جدران السجون. فمن رحم ذلك الرماد، انبعثت إرادةٌ لم تكتفِ بالبقاء، بل أسهمت في قيادة مسيرة التحرر، وكانت حجر الزاوية في تهشيم غطرسة الصنم.
ثانيًا: جدلية السقوط والولادة
إن مشهد سقوط الصنم لم يكن حدثًا عابرًا، بل تتويجًا لعقودٍ من نزيف التضحيات التي اشترك فيها الجميع، وتعبيرًا عن إرادةٍ كوردستانيةٍ صلبةٍ رفضت الركوع. لقد سقط التمثال لأن “إرادة الحياة” في أعماق العراقيين كانت أقوى من “عقيدة الفناء”. وكان ذلك السقوط إعلانًا بنهاية عصر المقابر الجماعية، وبداية مرحلة البحث عن “الإنسان” الذي غُيّب خلف قضبان الرأي الواحد.
ثالثًا: بقايا الظل.. ومخاض العقليات
لعل الدرس الأقسى هو أن “الأصنام” تسقط أسرع من “العقليات” التي صنعتها. فبينما غاب الدكتاتور، لا تزال بعض الممارسات تحاول استنساخ نهجه بأساليب ناعمة: تارةً عبر الالتفاف على الاستحقاقات الدستورية لشعب كوردستان، وتارةً عبر سياسات الضغط المالي والتضييق. إن أي محاولة لإضعاف كيان الإقليم ليست سوى محاولة لإحياء “روح الدكتاتورية” في جسد جديد، متناسيةً أن الإرادة التي كسرت القيود في نيسان ما تزال قادرةً على حماية مكتسباتها.
خاتمة: عهد الأمل
في هذه الذكرى، لا تنحني هاماتنا إلا إجلالًا لعظمة الشهداء الذين رووا بدمائهم تراب هذا الوطن. وسيبقى فجر التاسع من نيسان حيًا ما بقيت فينا “ثقافة الرفض” لكل أشكال التسلط. العهد أن نمضي معًا بوعيٍ يصون الحقوق، وبإرادةٍ لا تساوم على الكرامة، مستلهمين من التاريخ أن الظلم، مهما تجبّر، فإن مآله أن يُسحق تحت أقدام الأحرار.