بين الديكتاتورية القومية والهيمنة المذهبية: قراءة في مستقبل الكورد في العراق

ازاد صالح نادراغا
استاذ جامعي – اختصاص ادارة الاعمال

شهد التاريخ السياسي للعراق الحديث سلسلة من التحولات العنيفة التي دفع الشعب الكوردي ثمنها الباهظ دوماً. وإذا كان القرن العشرين قرن مواجهة الكورد مع القومية البعثية المتطرفة، فإن مرحلة ما بعد عام 2003 وضعت كوردستان أمام تحدٍّ جديد، وهو النظام المذهبي والميليشياوي.
1. تاريخ مثقل بالجراح: من الكيماوي إلى الأنفال
حاول النظام العراقي السابق حل القضية الكوردية من خلال استراتيجية “الإبادة الجسدية”. لم يكن استخدام الأسلحة الكيماوية وعمليات الأنفال مجرد جرائم، بل كانت تعبيراً عن ذروة نظام ديكتاتوري لا يعرف حدوداً أخلاقية أو دولية. شارك الكورد بفعالية في إعادة بناء العراق على أمل أن يكون سقوط ذلك النظام نقطة تحول نحو الديمقراطية.
2. حقبة ما بعد 2003: تغيير الوجوه وبقاء العقلية
أثبت الواقع الحالي في العراق أن تغيير النظام لم يغير الجوانب “الناعمة” و”الخشنة” للسلطة. فإذا كانت الدولة بالأمس تقصف كوردستان رسمياً، فإن الجماعات المسلحة غير الرسمية والميليشيات تقوم بالدور نفسه اليوم. التغيير هنا طال الوسائل فقط:
* ترهيب المسيرات: استهداف منازل المواطنين والبنى التحتية الاقتصادية في منتصف الليل.
* حرب الأرزاق: استخدام الموازنة والرواتب كسلاح سياسي لتجويع الناس.
* تراجع القانون: هيمنة السلطة المذهبية على الدستور والقانون، مما يؤدي إلى تقزيم الحقوق القومية ضمن إطار “الأغلبية والأقلية”.
3. تحديات الصمت ووحدة الصف الداخلي
السؤال الجوهري هو: لماذا بقي الكورد في هذا الوضع؟
تشير التحليلات الأكاديمية إلى أن جزءاً من المشكلة يعود إلى التشتت الداخلي الكوردي. فعندما لا يكون البيت الكوردي موحداً، تجد السلطة المذهبية في بغداد فرصة أكبر لتطبيق سياسة “فرق تسد”. كما أن الصمت تجاه الانتهاكات، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، يؤدي إلى التعامل مع هذه الهجمات كأمر “اعتيادي”.
النتائج والتوصيات
للخروج من هذا الانسداد السياسي وحماية كيان إقليم كوردستان من التهديدات الجديدة، لابد من العمل على ثلاثة محاور رئيسية:
* إعادة صياغة العلاقات مع بغداد: على أسس مؤسساتية وليس فقط عبر اتفاقات حزبية مؤقتة.
* تدويل القضايا: إظهار خطر الميليشيات كتهديد لأمن المنطقة ككل، وليس مجرد مشكلة داخلية عراقية.
* الإصلاح الداخلي: تعزيز العلاقة بين المواطن والسلطة في كوردستان، لأن “الشعب الراضي” هو أقوى درع ضد أي عدوان خارجي.
لقد أثبت التاريخ أن الظلم بأي اسم أو لون كان (قومياً أو مذهباً)، نهايته هي عدم الاستقرار. وكوردستان اليوم بحاجة إلى خطاب وطني موحد يمنع العودة إلى مربع الترحم على الماضي الأليم.

قد يعجبك ايضا