الوهم والإيهام: حين تغدو الدولة “ورقية”

ياسين الحديدي

أثبتت الحكومات العراقية، خلال الحرب المستعرة، أنها كانت تبيع “الوهم” للعراقيين، وتُغرقهم في وعودٍ لا تتعدى كونها برامج حكومية ورقية مجردة من أي فعل حقيقي. لقد غاب عن ذهن هذه الحكومات، بل تبلدت مشاعرها، تجاه مواطنٍ يحتاج إلى اقتصادٍ رصين، وتخطيطٍ استراتيجي، وبناءٍ مستدام.
لقد كشفت أيام المعارك المستعرة أن العراق بات ساحةً تُوجه إليها الضربات بكل قوة؛ أمريكياً وإسرائيلياً وإيرانياً، بل وحتى من أيدٍ عراقية اختارت عدم الحياد، واستهدفت مواقع عمل وطنية وحقولاً نفطية؛ حيث طال القصف خمسة حقول في يومٍ واحد بجنوب العراق، بذريعة أنها تُدار من قبل شركات أجنبية، رغم أن وجود هذه الشركات جاء بطلبٍ حكومي وعقودٍ رسمية لتطوير الحقول واستثمار ريع النفط لصالح شعبٍ يحلم بوطنٍ أفضل.
هنا، تبدد الوهم وانكشفت الحقيقة: الدولة لم تخطط للمستقبل ولا للظروف الاستثنائية. ووجد العراقيون أنفسهم أمام واقعٍ مرير؛ فلا منافذ آمنة للتصدير، وشبكات أنابيب النقل ظلت مهملة ومعطلة منذ الحرب العراقية الإيرانية. لم يخطر ببال تلك الحكومات أن التخطيط يقتضي استشراف حالات الطوارئ وادامتها لتكون فاعلة وقت الأزمات. وعندما اشتدت الأزمة، اكتشفت الدولة – متأخرةً – أن شبكات النقل غير مراقبة، والصدمة الكبرى التي أعلنها وزير النفط هي أن هذه الشبكات كانت مستباحة من قبل مافيات التهريب؛ إذ تبين وجود أكثر من 4000 ثقبٍ مستغل لتهريب النفط في وضح النهار، دون رقيبٍ أو حسيب، رغم تعاقب ستة وزراء (أو أكثر) على إدارة هذا الملف.
والأدهى من ذلك كله، أن العراق لا يملك أسطولاً من البواخر أو السفن لنقل نفطه، رغم وجود مديرية عامة للنقل البحري؛ فعملية النقل تعتمد بالكامل على بواخر مستأجرة. هذا في وقتٍ جاء فيه “التكرم” الإيراني بالسماح بنقل النفط مشروطاً بأن تكون البواخر عراقية وتحمل العلم العراقي.
لقد استباح هذا الوهم والإيهام أرزاق العراقيين، فارتفعت الأسعار وندرت المواد، لتبدأ جيوب المواطنين بالاكتواء بنيران الغلاء في كل مناحي حياتهم. ومع دخول “أزمة غاز البيوت” على خط الأزمة النفطية، لم يعد الأمر مجرد ضنك عيش، بل أصبح صراعاً من أجل البقاء، في ظل مسيراتٍ تستهدفهم وهم آمنون في بيوتهم، داخل ساحات الموت التي فُرضت عليهم قسراً.

قد يعجبك ايضا