عرشُ الزجاج: انكسار القيم تحت وطأة القوة الغاشمة

أحمد زبير باني

“بين جلال الآية وضجيج الصواريخ، تسقط الأقنعة؛ فلا القوة تمنح نصرًا، ولا الشعارات تحمي دمًا، حين يكون الخصم بيتًا آمنًا وأنفاسًا نائمة.”

حين قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، لم يكن ذلك توجيهًا أخلاقيًا عابرًا يُستأنس به في أوقات السلم، بل قاعدةً مُحكَمة تُختبر عند اشتداد القوة، وتُفضَح عند لحظة القدرة. فالقيم لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يُفعل حين يصبح خرقها ممكنًا بلا رادع.

لكن الواقع اليوم يكشف انكسارًا حادًا في هذا الميزان. فبينما تُرفع الشعارات وتُستحضر المفردات الدينية، تُستباح في المقابل بيوت المدنيين، وتتحوّل القرى الهادئة والأحياء السكنية إلى خرائط استهداف. هنا لا تعود الحرب مواجهةً بين أطرافٍ متقاتلة، بل تتحول إلى اعتداءٍ على الحياة في أبسط صورها.
إنّ استهداف المدنيين ليس خطأً في حسابات المعركة، بل سقوطٌ كامل في اختبار الإنسانية. لأنّ القوة، في معناها الأعمق، لا تكمن في القدرة على الضرب، بل في القدرة على الامتناع عنه حين يكون الهدف بريئًا.
وفي سياقٍ اختار فيه إقليمٌ أن يبقى على مسافةٍ من صراعات الآخرين، وأن يتجنب الانخراط الكامل في محاور متنازعة، يصبح استهدافه سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا. هل الحياد جريمة؟ وهل الامتناع عن الانخراط يجعل من المدنيين هدفًا مشروعًا؟ إنّ تحويل “الهدف السهل” إلى سياسةٍ يعني، ببساطة، سقوط أيّ ادّعاءٍ بالالتزام بالقيم.
غير أنّ المأساة الحقيقية لا تُقاس بلحظة الانفجار، بل بما تخلّفه بعده. فحين يُقتل أبٌ وأمٌّ في صمت الليل، لا تنتهي الحكاية عند حدود الخبر، بل تبدأ في عيون أطفالٍ يواجهون العالم فجأةً بلا سند، دون أن يفهموا لماذا تحوّل مأواهم إلى فراغٍ وجرحٍ مفتوح. تلك هي الكلفة التي لا تُذكر في البيانات، لكنها الحقيقة الأثقل وزنًا.
وما يزيد هذا المشهد قسوةً، هو التناقض الصارخ بين الادعاء والممارسة. كيف يمكن لمن يرفع راية الدين أن يتجاوز نصوصًا صريحة في تحريم الدم؟ كيف يمكن لمن يتحدث عن المظلومية أن يُنتج مظلومين جدد؟ إنّ القيم لا تتجزأ، ولا يمكن الدفاع عنها في خطابٍ وانتهاكها في الواقع.
إنّ ما نحتاجه اليوم ليس خطاب إدانةٍ عابر، بل مراجعة جذرية لفكرة القوة نفسها، وللمعايير التي يُقاس بها الفعل. أن يُعاد الاعتبار لحرمة الإنسان، وأن يُفهم أنّ القوة لا تعني القدرة على التدمير، بل القدرة على الحفاظ على الحد الأدنى من الإنسانية في أشد الظروف قتامة.
في النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يمكن الالتفاف عليها: لا شيء يبرّر قتل المدنيين. وكلُّ دمٍ يُسفك ظلمًا هو شهادةٌ ضدّ من سفكه، فالعدل لا يُبنى على القتل، والقيم لا تُحمى بانتهاكها، والإنسانية لا يمكن أن تنتصر إذا سُحقت تحت أنقاض البيوت الآمنة.

قد يعجبك ايضا