في ذكرى التغيير 2003.. العراق يدار بالجدل لا بالحلول

د. فيصل صادق توفيق

في الذكرى السنوية لتحرير العراق او بالأحرى تغير نظامه عام 2003، يعود السؤال الجوهري بالحاح: بعد اكثر من 35 عاما من حكم استبدادي ودكتاتوري قاد الى الحروب وانتهى بالدمار، ماذا فعل الاخرون بعد 23 من الديمقراطية سوى اعادة انتاج الازمات بشكل أخر؟! ونحن الان لسنا بصدد عقد مقارنة بين زمنين او حقبتين بقدر ما نحاول كشف حقيقة مؤلمة الا وهي ان المشكلة في العراق لم تعد في شكل النظام بل المشكلة في طريقة ادارته.

فالنظام السابق البائد، بكل ما حمل عليه من انتقادات كان نظاما مركزيا صارما واضحا في ادارته (ليس مدحا) لأنه كان قاسيا في نتائجه. اما الديمقراطية التي كان يفترض ان يكون مدخلا للحكم الرشيد تحولت في كثير من الاحيان الى ساحة صراع على السلطة، لا الى وسيلة لخدمة الناس (ليس ذما).

فالمشكلة اليوم ليست في القسوة بل في التفكك، لم يعد المواطن العراقي (وحتى الاجنبي) يعرف من يحكم فعليا: هل الحكومة، او الاحزاب، ام القوى المسلحة، ام التفاهمات غير المعلنة؟ وهنا يظهر جوهر الازمة غياب الدولة ككيان واحد. وهذا الانتقال من 35 عاما من السيطرة الصارمة الى حالة الانفلات النسبية: تعدد السلاح خارج اطار الدولة، وتكرار الخروقات وازدواجية القرار كلها عوامل اضعفت هيبة القانون ففي السابق كان الخوف من الدولة؛ اليوم الخوف من غيابها وهذا التحول اخطر من الاستبداد ذاته لأنه فتح الباب للفوضى ولم يبقى الامن حقا مضمونا بل بات ورقة تفاوض بيد المنفلتين.

وعند النظر الى التغيير ما بعد 2003 دستوريا، فان وضع الدستور كان يفترض ان يضمن التوازن ويمنع الاستبداد، لكنه تحول في التطبيق الى ساحة تأويلات مفتوحة، مواده تفسر حسب المصالح السياسية والكثير من الاستحقاقات الدستورية تعطلت، واصبح الدستور اقرب اليه من كتاب لتفسير الاحلام يفسر حسب اهواء الحالمين، تنتقى منها مبادئ ما يخدم اللحظة، لم تعد النصوص حكما بل اصبحت جزءا من الصراع، مع ان لا خلاف على انه دستور جيد لذاته الا انه لا يوجد ارادة لاحترامه كمرجعية عليا.

اما في المجال الاقتصادي ورغم تدفق الموارد لم تبن دولة انتاج بل ترسخ اقتصاد ريعي هش، لم يستثمر الريع النفطي لبناء اقتصاد متنوع بل ترسخ نموذج يعتمد على الانفاق والاستهلاك، فهنالك عقود بمليارات الدولارات ولكن لم تنعكس على خدمات حقيقية، ومشاريع كثيرة بقيت متلكئة ومتوقفة وبعضها لا يعرف لها مكان. ومع انه يوجد اجهزة رقابية حكومية ومستقلة وبرلمانية الا انها لم تستطع كبح الفساد المتفشي بشكل فعال فالفساد لم يعد حالات فردية، بل اصبح منظومة: عقود تدار بالمحاصصة، واموال تهدر دون محاسبة حقيقية، في حين كان يفترض ان تكون الخدمات في مستوى اخر الا ان الواقع كشف العكس فالبنية التحتية متعثرة والبطالة مرتفعة، والفجوة بين الامكانات والنتائج متزايدة.

وبين هذا وذاك، عندما نقيم مستوى الوعي العام فلا يزال جزء من الخطاب منغمسا في الجزئيات سواء الجدل الديني حول قضايا فرعية او في استحضار احداث تاريخية قديمة تستخدم لتغذية الانقسام بدل استخلاص العبرة يستهلك الوقت في “من قال وعن وعن قال …” . وبعد أكثر من ألف واربعمائة عام لا يزال الجدل قائما حول من قتل ومن استشهد وكأن الحاضر متوقف على تلك الوقائع.

وفي مستوى اخر تستمر بعض العقليات في حمل تصورات اقصائية تجاه مكونات هذا البلد تصل حد انكار انسانيتها كما في النظرة التي تسئ الينا ككورد غير مبالين بان هذه النظرة تضعف فكرة الشراكة الوطنية فالدولة لا تبنى على الشك المتبادل بل على الاعتراف المتبادل واي خلل في هذا الاساس ينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي والاجتماعي. وهنالك مفارقة هي الابرز ان العراق رغم خطابه الناقد للخارج يعتمد على هذا الخارج في معظم مفاصل حياته يستورد التكنولوجيا والخبرة والحلول دون ان يمتلك مشروعا وطنيا للإنتاج، يرفضه بالكلام ويتبعه في الواقع لأنه لم يبن بديلا.

عليه اصبحت الية الحكم نفسها معكوسة فبدل ان تكون الديمقراطية وسيلة للتداول السلمي للحكم اصبحت الية لتقاسم النفوذ والانتخابات تنتج ازمات اكثر مما تحل، والتوافقات تبنى على المحاصصة لا على الرامج، وهكذا تدار الدولة بمنطق ارضاء الجميع بدل تحقيق المصلحة العامة فتتعطل القرارات وترحل الحلول.

من هنا فان السير مع من يقولون بان الحاضر أفضل لمجرد انه مختلف عن الماضي، قول لا يصمد امام الواقع وينصدم بما هو امر واشد فتكا مما كان في الماضي فاذا كان النظام السابق قد فشل في تحقيق الكرامة والحرية، فان النظام الحالي فشل في تحقيق الكفاءة والاستقرار وبين الفشلين يدفع المواطن الثمن.

وعلى هذا الحال والمنوال يبقى العراق في ذكراه 23 بعد 2003 من التغير باقيا صامدا لا حول له ولا قوة في الانتقال من ادارة السلطة الى ادارة الدولة وما لم تحسم هذه النقلة سيبقى البلد يدور في دائرة الجدل: جدل حول النصوص، حول التاريخ، حول الصلاحيات، دون ان يصل الى جوهر الحلول. فالعراق بحاجة ملحة الى اعادة تعريف معنى الحكم من تقاسم النفوذ الى وحدته، ومن ادارة الازمات الى صناعة المستقبل. فالدولة التي تدار بالجدل، لن تصل الى الحلول.

قد يعجبك ايضا