سمير السوره ميري
حين يتحول الوهم إلى بديل عن الوجود الحقيقي، لا يكون الأمر مجرد خطأ في الإدراك، بل يشكل بُنية ذهنية تمنح الأفراد إحساسا زائفا باليقين والإنتماء، هذه البُنية تتجلى في قصص تُغذي العقول وتستثير العواطف والمشاعر، لتعجز الوعي عن التميز بين الحقيقة والخيال، وفي هذه الحالة يصبح الوهم الإطار الذي يرى الفرد من خلاله العالم، ويصعب عليه التفريق بين الواقع والخيال.
تؤدي الخرافة وظيفة خفية أحيانا، إذ تمنح الجماعة تماسكا رمزيا، وتعيد تشكيلها وفق منطق غير عقلاني، محولة الوهم إلى مايشبه “الحقيقة المقدسة”، بما يخدم مصالح الفئات السلطوية، وهذا الوهم يحد من إمكانات الفرد في الفهم والتحرر ويعيق وعيه النقدي.
ومقاومة هذا الوهم لا تتحقق بالصدام، بل تتطلب شجاعة السؤال، ورؤية العالم كما هو، وقراءة التاريخ كمرجع للإيجابيات وسلبياته، لتكون هذه القراءة دروعا واقية من تكرار الخطأ، عندها فقط يمكن كشف نوايا السلطات الفئوية المتسلطة. العالم اليوم قائم على مبدئ المواكبة والتقدم، وليس على قصص المروية والسرديات الخيالية الجامدة، بل على الإنتاج العقلي الإبداعي الي يواكب عجلة الزمن، هذا هو المعيار لإعادة حركة العجلة، ومعرفة الفراغ من اليقين.
يراى افلاطون أن الخرافة تبقي الإنسان أسير الظلال، والحل: “الإنتقال من عالم الحسّ إلى عالم العقل”، ويقول فرانسيس بيكون إن أوهام العقل تُظلّل التفكير، ويرى ” الخرافات إنحرافات في الذهن البشري”، والحل: بالمنهج العلمي والتجربة، ويرى ديفيد هيوم أن الخرافة تنشأ من الخوف والجهل، وأن الوهم إسقاط نفسي أكثر منه حقيقة، ويعتبر فريدريك نتشة الخرافة: “ليست ضعفا فقط، بل أحيانا أداة قوة تُستخدم للسيطرة”، ويرى كارل ماركس الخرافة: “أداة اجتماعية- سياسية لإبقاء الناس في حالة خضوع”، ومجمل آراء الفلاسفة تشير إلى أن الخرافة تستخدم لضبط المجتمع وإخضاعه كأداة للسلطة، ولا يهزمها إلا الوعي والنقد، وفهم الإنسان لذاته، كائنا يفكر ويشعر ويختار، وأرى الخرافة صولجانُ التسلّط.
عندما تستبدل الحقيقة بالوهم، ويفقد المجتمع قدرته على التميز بين الخيال والواقع، ويستسلم للأوهام يكون بذلك قد فقد معناه الحقيقي للحياة، والحياة الذي أرادها الخالق، هي حياة تفكر وتدبر، كل ما عدا ذلك يؤدي إلى إنهيار بناء المجتمع من أساسه.