عرفان الداوودي
ليس غريباً على العراق أن يُشبه شَدّة وردٍ ملوّنة، تجمع بين أطيافٍ متعددة من القوميات والمذاهب والثقافات، لكنها تبقى في النهاية باقةً واحدة لا يكتمل جمالها إلا باجتماع ألوانها. الغريب حقاً هو ذلك الصوت النشاز الذي يحاول أن يبعثر هذه الورود، وينفخ في رماد الفتنة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بنشر أخبارٍ مسمومة هدفها تمزيق وحدة العراقيين وضرب نسيجهم الوطني.
في الآونة الأخيرة، برزت بعض الصفحات التي تدّعي الغيرة على الوطن، لكنها في الحقيقة تمارس أخطر أنواع التضليل، حين تُحوّل مشهداً وطنياً جميلاً – رفع العلم العراقي إلى جانب أعلام تمثل الانتماءات القومية كالكردي والآشوري – إلى مادة لإثارة الشكوك وزرع الانقسام. وكأن الاعتزاز بالهوية الفرعية أصبح جريمة، أو أن حب الوطن لا يكتمل إلا بإلغاء التنوع!
أي منطق هذا الذي يريد أن يختزل العراق بلونٍ واحد، وهو الذي كُتب له أن يكون لوحة فسيفساء منذ فجر التاريخ؟
ثم تأتي مزاعم أخرى، تتحدث عن نية بعض أعضاء الاتحاد تقديم شكاوى ضد لاعبي المنتخب الوطني، فقط لأنهم عبّروا عن فرحتهم واعتزازهم بهوياتهم إلى جانب علم العراق. إن صحّ هذا الكلام، فهو لا يُمثل إلا ضيق أفقٍ لا يليق بمؤسسات يُفترض أنها ترعى وحدة البلاد لا أن تُضيّق عليها.
أليس الأجدر بنا أن نصفق لأولئك اللاعبين الذين رسموا الفرحة على وجوه أكثر من 40 مليون عراقي؟
أليس الأجدر أن نحتفي بمشهدٍ نادر اجتمع فيه العراقيون من زاخو إلى الفاو على قلبٍ واحد؟
الكوردي الذي حمى المرمى، والشيعي الذي صنع الهدف، والسني الذي سجّل… تلك ليست مجرد جملة، بل صورة حقيقية لعراقٍ قوي، لا يُهزم إلا إذا تفرّق.
قوتنا ليست في إلغاء بعضنا، بل في احتضان اختلافنا.
من حق الكردي أن يرفع علمه، ومن حق الآشوري أن يعتز بهويته، ومن حق كل عراقي أن يُعبّر عن انتمائه، طالما أن العلم العراقي حاضرٌ في القلب واليد. هذا ليس ضعفاً في الوطنية، بل قمة النضج والانتماء.
أما الذين يحاولون اليوم ركوب موجة الوطنية، وهم بالأمس كانوا ضد كل صوتٍ جامع، فنقول لهم: الوطنية ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، بل مواقف تُثبت في أوقات الاختبار.
دعوا الناس تفرح… دعوا العراق يبتسم…
كفى بثّاً للسموم، وكفى محاولاتٍ بائسة لتمزيق ما لا يمكن تمزيقه.
العراق سيبقى شَدّة ورد…
مهما حاولوا نثرها، ستعود لتتجمع… أجمل… وأقوى .